كتاب جامع الأصول (اسم الجزء: 8)

6147 - (م د) عبد الله بن رباح قال: «وَفَدَت وفود إلى معاويةَ - وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضُنا لبعض طعاماً، فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - مما يُكْثِر أن يَدْعُونا إلى رَحْلِه، فقلتُ: ألا أصنعُ طعاماً فأدعوهم -[368]- إلى رَحْلي؟ فأمرتُ بالطعام يُصنَع، ثم لَقيتُ أبا هريرة من العَشِيِّ، فقلتُ: الدَّعْوَةُ عندي الليلةَ، فقال: سَبَقْتَني؟ فقلتُ: نعم، فدعوتُهم، فقال أبو هريرة: ألا أُعْلِمُكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ... ثم ذَكَرَ فَتْحَ مَكةَ، فقال: أقبلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قَدِمَ مكةَ، فبعث الزبيرَ على إِحدى المُجَنِّبَتَين، وبعث خالداً على المُجَنِّبَةِ الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، فأخذ [وا] بَطْن الوادي ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كَتِيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: أبو هريرة؟ قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، فقال: اهتف: (¬1) لا يأتيني إلا أنصاريّ - ومن الرواة مَن قال: اهْتِفْ لي بالأنصار، قال: فأطافوا به، ووبشّتْ قريش من أوباش لها وأتباع وفي رواية: ووبشت قريش أوْباشَها وأتْبَاعَها (¬2) - فقالوا: نُقدّم هؤلاءِ، فإن كان لهم شيء كُنَّا معهم، وإن أُصِيبوا أَعْطَيْنَا الذي سَلبنا (¬3) ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: تَرَونَ إِلى أوْباشِ قريش وأتباعِهم؟ ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى- ثم قال: حتى تُوافُوني بالصفا، قال: فانطلقنا، فما شاءَ أحد مِنَّا أَن يَقْتُلَ أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يُوَجِّه إلينا شيئاً، قال: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قُريشَ بعد اليوم، -[369]- قال: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصارُ بعضُهم لبعض: أما الرَّجُل فَأْدْرَكَتْهُ رَغْبة في قريته، ورَأْفَة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحيُ - وكان إذا جاء [الوحيُ] لا يخفى علينا، فإِذا جاء فليس أحد يرفع طَرْفه إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ينقضيَ الوحيُ - فلما قُضِيَ الوحيُ قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا معشر الأنصار، قالوا: لَبَّيك يا رسول الله، قال: قلتم: أمَّا الرجلُ فأدركتْهُ رَغْبَة في قَريَتِه؟ قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا إني عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إلى الله وإِليكم، المَحْيا مَحْياكم، والمماتُ مماتُكم، فأقْبلوا إِليه يَبْكُون، ويقولون: واللهِ ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنّ بالله وبرسوله، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: إِن الله ورسولَهُ يُصدِّقانكم، ويَعْذِرانكم، قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأَغْلَق الناسُ أبوابَهم، قال: وأقْبل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبلَ إلى الحجَر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صَنَم إلى جانبِ البيتِ كانوا يعبدونه: قال: وفي يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَوس، وهو آخِذ بِسِيَةِ القوسِ، فلما أتى على الصنم جعل يَطْعنُ في عيْنِهِ، ويقول: جاء الحق، وزهق الباطل، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فَعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يَدَيه، فجعل يحمَدُ الله، ويدعو ما شاءَ أن يدعوَ» .
وفي رواية بهذا الحديث، وزاد في الحديث «ثم قال بيديه، إحداهما -[370]- على الأخرى: احْصُدُوهم حصداً» ، قال: وفي الحديث «قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله، قال: فما اسمْي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسولُه» .
وفي أخرى قال: «وَفَدْنا إلى معاويةَ بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، وكان كلُّ رجل منَّا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نَوْبَتي، فقلتُ: يا أبا هريرة، اليوم يومي (¬4) ، فجاؤوا إلى المنزل ولم يُدْرِكْ طعامُنا، فقلتُ: يا أبا هريرة، لو حدَّثْتَنَا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يُدرِكَ طعامُنا؟ فقال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح، فجعل خالدَ بنَ الوليد على المجَنِّبة اليمنى، وجعل الزبيرَ على المجنبِّة اليسرى، وجعل أبا عُبيدة على البَيَاذِقَةِ وبَطْنِ الوادي، فقال: يا أبا هريرةَ، ادْعُ لي الأنصار، فدعوتُهم، فجاؤوا يُهَرْوِلُون، فقال: يا معشر الأنصار، هل تَرَوْنَ أوْباش قُريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لَقِيتُموهم غداً: أن تحصُدُوهم حَصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شِماله - وقال: موعدُكم الصّفا، قال: فما أشْرَفَ لهم يومئذ أحد إلا أناموه، قال: وصَعِدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الصّفا، [وجاءتِ الأنصارُ، فأطافوا بالصفا] ، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قريشَ بعدَ اليوم، قال أبو سفيان: مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن، -[371]- ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، ومَن أغلق بابَهُ فهو آمِن؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِن، وَمَن أغلقَ بابَه فهو آمِن، فقالت الأنصارُ: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتْهُ رأفة بعشيرته، وَرَغْبَة في قَرْيتِهِ، ونزل الوحيُ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلتُم: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتهُ رأْفة بعشيرته، ورَغبة في قريته؟ أَلا فما اسْمِي إذاً؟ - ثلاثَ مرات - أنا محمَّد عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إِلى الله وإليكم، فالمحيا محْياكم، والمماتُ مماتُكم، قالوا: والله، ما قلنا إِلا ضِنَّا بالله ورسوله، قال: فإن الله ورسولَهُ يُصَدِّقَانِكم ويَعْذِرانِكم» . أخرجه مسلم.
وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن رباح الأنصاريِّ عن أبي هريرة قال: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة سَرَّحَ الزبيرَ بن العوام، وأبا عُبيدة بنَ الجراح، وخالد بنَ الوليد على الخيل، وقال: يا أبا هريرة، اهْتِفْ بالأنصار، فلما اجتمعوا قال: اسْلُكُوا هذا الطريق، فلا يُشرِفنَّ لكم أحد، إِلا أنَمْتُموه، فنادى مُنَاد: لا قريشَ بعد اليوم، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: مَن دخل داراً فهو آمِن، ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، فعَمَد صَنَادِيدُ قريش فدخلوا الكعبةَ، فَغَصَّ بهم، وطاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصلَّى خَلفَ المقام، ثم أخذ بجَنَبَتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام» (¬5) . -[372]-
S (المُجنِّبَتَين) المُجَنِّبَةُ: جَانِبُ العسكر، وله مُجَنِّبتان: ميمنة وميسرة.
(على الحُسَّر) جمع حاسر، وهو الذي لا دِرْعَ عليه ولا مِغْفَر، وقد روي في كتب الغريب «الحُبَّس» وهم الرَّجَّالة، سموا بذلك لتأخرهم عن الركبان، قال: وأحسب الواحد حَبِيساً، فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن [يكون] حابساً، كأنه يَحْبِسُ مَن يسير من الركبان بمسيره.
قال الحميدي: والذي رأيناه من رواية أصحاب الحديث «الحسّر» والله أعلم.
(وَبَّشت أوباشها) الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعاً من أقوام متفرِّقين في الأنساب والأماكن.
(أُبِيدت خضراءُ قريش) أي: استُؤْصِلَتْ وأُهْلِكت، وخضراؤها: سوادها ومعظُمها، والعرب تُعبِّر بالخُضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة.
(الضِّنُّ) : البخل والشُّحُ، ضَنِنْتُ أَضنُّ، وضَنَنْتُ أضِنُّ.
(فَاسْتَلَمَه) استلام الحجر الأسود: لَمسهُ باليد.
(سِيَة القوس) مخففاً: طرفها إلى موضع الوَتر.
(زهق الباطل) أي: اضْمَحَلَّ وذهب ضائعاً. -[373]-
(البَيَاذِقَةُ) الرَّجَّالة، سمّوا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم، وهذا القول مما يعضد رواية أصحاب الغريب في «الحبس» موضع «الحُسَّر» فإن الحبَّس: هم الرَّجَّالة على ما فسروه، فقد اتفقت الروايتان في المعنى، فقال مرة: «الحبَّس» وقال مرة: «البياذقة» أراد بهما: الرَّجَّالة، بخلاف «الحسَّر» وقد يمكن أن يجمع بين «الحسّر» و «البياذقة» فإن «الحسَّر» هم الذين لا سلاح معهم، أو لا درع عليهم ولا مِغْفَر، والغالب من حال الدَّارعين: أنهم الفُرسان، وأن الرَّجَّالة: لا يكون عليهم دروع، لأمرين، أحدهما: أن الراجل يثقله الدِّرع، والآخر: أن الرَّاجل لا يكون له درع لضعفه ورِقَّة حاله، والله أعلم.
(احْصدُوهم) الحصد: كناية عن الاستئصال والمبالغة في القتل.
(أحْفَى) قال الحميدي: أحْفى بيده: أشار بحافتها، وصفاً للحصد والقتل.
(أناموه) أي: قتلوه، ومنه سمي السيف مُنِيماً، أي: مُهلكاً.
¬__________
(¬1) لفظة " اهتف " ليست في نسخ مسلم المطبوعة.
(¬2) في نسخ مسلم المطبوعة: ووبشت قريش أوباشاً لها وأتباعاً.
(¬3) في نسخ مسلم المطبوعة: أعطينا الذي سئلنا.
(¬4) في نسخ مسلم المطبوعة: اليوم نوبتي.
(¬5) رواه مسلم رقم (1780) في الجهاد، باب فتح مكة، وأبو داود رقم (3024) في الخراج والإمارة، باب ما جاء في خبر مكة.
Mأخرجه مسلم (1780) حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
وأخرجه أبو داود (3024) حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سلام بن مسكين، ثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، فذكره.

الصفحة 367

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text