كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)

وفي حديث خريم بن فاتك: ((مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها)) فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه، وحَرَصَ عليها، كتبت له
حسنة، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالهمِّ هنا: هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم.
قال أبو الدرداء: من أتى فراشه، وهو ينوي أن يُصلِّي مِن اللَّيل، فغلبته عيناه حتّى يصبحَ، كتب له ما نوى. وروي عنه مرفوعاً (¬1) ،
وخرَّجه ابن ماجه (¬2) مرفوعاً. قال الدارقطني (¬3) : المحفوظ الموقوف، وروي معناه من حديث عائشة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬4) .
وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من همَّ بصلاةٍ، أو صيام، أو حجٍّ، أو عمرة، أو غزو، فحِيلَ بينه وبينَ ذلك، بلَّغه الله تعالى ما نوى.
وقال أبو عِمران الجونيُّ (¬5) : يُنادى المَلَكُ: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقولُ: يا ربِّ، إنَّه لم يعملْهُ، فيقول: إنَّه نواه.
وقال زيدُ بن أسلم: كان رجلٌ يطوفُ على العلماء، يقول: من يدلُّني على عملٍ لا أزال منه لله عاملاً، فإنِّي لا أُحبُّ أنْ تأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنَ الليلِ والنَّهارِ إلاَّ وأنا عاملٌ لله تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتَكَ، فاعمل الخيرَ ما استطعتَ، فإذا فترْتَ، أو تركته فهمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله.
ومتى اقترن بالنيَّة قولٌ أو سعيٌ، تأكَّدَ الجزاءُ، والتحقَ صاحبُه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رَزَقَهُ الله مالاً
وعلماً، فهو يتَّقي فيه ربَّه، ويَصِلُ به رَحِمَه، ويعلمُ لله فيه
¬_________
(¬1) أخرجه: ابن خزيمة (1172) ، والحاكم 1/311، والبيهقي 3/15 مرفوعاً.

وأخرجه: النسائي 3/258 وفي " الكبرى "، له (1460) موقوفاً، وأعله ابن خزيمة بالوقف، ولم يصححه كما زعم بعضهم، وليتنبه الباحث أنَّ كل ما في صحيح ابن خزيمة فهو محكوم بصحته عنده إلاّ ما ضعفه أو توقف في صحته أو ما قدم المتن على السند.
(¬2) في " سننه " (1344) مرفوعاً.
(¬3) انظر: علل الدارقطني 6/206.
(¬4) أخرجه: مالك في "الموطأ" (307) برواية الليثي، وأحمد 6/180، وأبو داود (1314) ، والنسائي 3/257 وفي " الكبرى "، له (1457) ، والبيهقي 3/15 عن عائشة، به.
(¬5) أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في " فتح الباري " 11/394.

الصفحة 1043