كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)
لما خُلِق آدم أُسكِنَ هو وزوجتُه الجنّة، ثم أُهبطا منها، ووعُدا الرجوع إليها، وصالح ذرِّيَّتهما، فالمؤمن أبداً يَحِنُّ إلى وطنه الأوَّل (¬1) ، وكما قيل:
كمْ مَنْزِلٍ للمَرءِ يَألفُهُ الفتى ... وحنينُه أبداً لأوَّل مَنْزِل
ولبعض شيوخنا (¬2) :
فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها ... منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيَّم
ولكنَّنا سَبيُ العدوِّ فَهلْ تَرَى ... نَعودُ إلى أوطاننا ونُسلِّمُ
وقَدْ زَعَموا أنَّ الغَريبَ إذا نَأى ... وشَطَّتْ به أوطانُه فهو مُغرَمُ
وأيُّ اغْترابٍ فوق غُربتنا التي ... لها أضحَت الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
كان عطاء السَّلِيمي يقول في دعائه: اللهمَّ ارحم في الدُّنيا غُربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غداً بين يديك (¬3) .
قالَ الحسنُ: بلغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: ((إنَّما مثلي ومثلُكم ومَثلُ الدُّنيا، كقوم سلكوا مفازةً غبراءَ، حتّى إذا لم يَدْرُوا ما سلكوا منها أكثر، أو ما بقي، أنفدوا الزَّادَ، وحَسَروا الظَّهر، وبقُوا بين ظهراني المفازة لا زادَ ولا حَمُولة، فأيقنوا بالهَلَكة، فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلَّةٍ يقطُرُ رأسُه، فقالوا: إن هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ، وما جاءكم هذا إلاّ من قريبٍ،
¬_________
(¬1) جاء بعد هذا في النسخ المطبوعة: ((وحب الوطن من الإيمان)) ، وقد حذفته لعدم ورودها في النسخة الخطية؛ ولأنَّ هذا الكلام غير مستقيم.
(¬2) عزاه ابن كثير لابن القاسم. انظر: تفسير ابن كثير 1/82.
(¬3) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " 6/224.