كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)

هذا الحديثُ أصلٌ في تحريم تناول جميع المسكرات، المغطِّيةِ للعقل، وقد ذكر الله في كتابه العلَّةَ المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أوَّل ما حُرِّمتِ الخمرُ عند حضورِ وقتِ الصلاة لما صلَّى بعضُ المُهاجرين، وقرأ في صلاته، فخلط في
قراءته (¬1) ، فنَزل قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (¬2) ، فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي: لا يقرب الصَّلاةَ سكران (¬3) ، ثم إنَّ الله حرَّمها على الإطلاق بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (¬4) .
فذكر سبحانه علَّة تحريم الخمر والميسر، وهو القمار، وهو أنَّ الشيطان يُوقعُ بهما العداوةَ والبغضاء، فإنَّ مَنْ سَكِرَ اختلَّ عقلُه، فربَّما تَسَلَّط على أذى الناسِ في أنفسهم وأموالهم، وربما بَلَغَ إلى القتل، وهي أمُّ الخبائث، فمن شَربها، قتلَ النفس وزنى، وربما كفر. وقد روي هذا المعنى عن عثمان (¬5) وغيره (¬6) ،
¬_________
(¬1) انظر: تفسير الطبري (7554) و (7555) .
(¬2) النساء: 43.
(¬3) أخرجه: أحمد 1/53، وأبو داود (3670) ، والترمذي (3049) ، والبزار (334) ، والنسائي 8/286 - 287، والطبري في " تفسيره " (9763) ، وهذا الحديث حصل اختلاف في إسناده انظر التعليق على " الجامع الكبير " 5/141.
(¬4) المائدة: 90 - 91.
(¬5) أخرجه: عبد الرزاق (17060) ، والنسائي 8/315 و316 وفي " الكبرى "، له
(5176) و (5177) ، والبيهقي 8/287 - 288 و288 موقوفاً.
(¬6) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (11372) و (11498) عن ابن عباس.

الصفحة 1224