كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)

سئل عن البِتع، فقال: ((كلّ شراب أسكر فهوَ حرام)) ، وفي رواية
لمسلم: ((كل شراب مسكر حرام)) وقد صحَّح هذا الحديث أحمد ويحيى بن
معين (¬1) ، واحتجا به ونقل ابن عبد البرّ (¬2) إجماعَ أهل العلم بالحديث على صحته، وأنَّه أثبت شيء يُروى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تحريم المسكر.
وأمَّا ما نقله بعضُ فقهاء الحنفية عن ابن معينٍ من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه (¬3) . وقد خرَّج مسلم (¬4) من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
((كلّ مسكر حرام)) .
وإلى هذا القول ذهب جمهورُ علماء المسلمين مِنَ الصَّحابة والتابعين ومن بعدهم من عُلماء الأمصار، وهو مذهبُ مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو ممَّا اجتمع على القول به أهلُ المدينة كلهم.
وخالف فيه طوائفُ مِنْ عُلماء أهل الكوفة، وقالوا: إنَّ الخمرَ إنَّما هو خمرُ العنب خاصّةً (¬5) ، وما عداها، فإنَّما يحرم منه القدرُ الذي يُسكر، ولا يحرم ما دُونَه، وما زال علماءُ الأمصار يُنكرون ذلك عليهم، وإنْ كانوا في ذلك مجتهدين مغفوراً لهم، وفيهم خَلقٌ مِنْ أئمَّة العلمِ والدين. قال ابنُ المبارك: ما وجدتُ في النبيذ رخصةً عن أحد صحيح إلاّ عن إبراهيم، -
¬_________
(¬1) أسند أبو جعفر النحاس عن يحيى بن معين أنَّ حديث عائشة: ((كل شراب أسكر فهو
حرام)) أصح حديث في هذا الباب، فتح الباري 10/56.
(¬2) انظر: الاستذكار 7/13 - 15.
(¬3) قال الزيلعي: ((قيل: إن ابن معين طعن في ثلاثة أحاديث منها هذا، وحديث من مس ذكره فليتوضأ، وحديث لا نكاح إلا بولي، وهذا الكلام لم أجده في شيء من كتب الحديث، والله أعلم)) . نصب الراية 4/295، وانظر: فتح الباري 10/56.
(¬4) في " صحيحه " 6/100 (2002) (72) .
(¬5) قال ابن عبد البر: ((قال الكوفيون: إنَّ الخمر من العنب لقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْراً} .
" فتح الباري " 10/61، وانظر: المغني لابن قدامة 10/322.

الصفحة 1227