كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)
ووعدُوه أن يخرُجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمَّدٌ المُحْرِمُ هذا التأويلَ عن عطاءٍ، وأنَّه قال: حدثني به جابرٌ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أنَّ الحسنَ رجع إلى
قول عطاء هذا لما بلغه عنه (¬1) . وهذا كذب، والمحرم شيخ كذابٌ معروف
بالكذب (¬2) .
وقد رُوي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين أنَّه أنكر على الحسن قوله: ثلاثٌ من كنَّ فيه، فهو منافق، وقال: قد حدَّث إخوةُ يوسف فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين (¬3) ، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنَّما بلغه عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فالحديث ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - لا شكَّ في ثبوته وصحته والذي فسره به أهلُ العلم المعتبرون أنَّ النفاقَ في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير، وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاقُ الأكبرُ، وهو أنْ يظهر الإنسانُ الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلَّه أو بعضه، وهذا هو النِّفاق الذي كان على عهد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدَّرْكِ الأسفل من النار (¬4) .
والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل (¬5) ، وهو أنْ يُظهر الإنسانُ علانيةً
صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك.
وأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة:
أحدها: أن يُحدِّث بحديث لمن يصدِّقه به وهو كاذب له، وفي " المسند " (¬6) عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((كَبُرَت خيانةً أنْ تحدِّث أخاك حديثاً هو لك
¬_________
(¬1) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " 7/323 - 324.
(¬2) قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء. انظر: التاريخ الكبير للبخاري 1/248 ترجمة (790) ، والكامل لابن عدي 7/322.
(¬3) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " 7/323 - 324.
وأخرجه: أبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين " (56) .
(¬4) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم 1/256 - 257 عقيب (59) ، وفتح الباري 1/123 عقيب (34) .
(¬5) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم 1/256 عقيب (59) .
(¬6) مسند الإمام أحمد 4/183.
وأخرجه: هناد في " الزهد " (1384) ، والطبراني في " مسند الشاميين " (495) ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/99، والبيهقي في " شُعب الإيمان " (4820) عن النواس بن سمعان، به، وإسناده ضعيف جداً من أجل عمر بن هارون بن يزيد بن جابر البلخي - وقد تابعه عليه الوليد بن مسلم، وهو وإن كان ثقة إلاّ أنه يدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه فلا يفرح بهذه المتابعة، فقد يكون سمعه من عمر بن هارون ثم دلسه عنه، لاسيما وقد قال أبو نعيم: ((تفرد به عمر بن هارون)) .