كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)
ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم، وكان عمرُ يسأل حُذيفة عن نفسه.
وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشون النفاقَ؟ فقال: نَعَمْ إني أدركتُ منهم بحمد الله صدراً حسناً، نعم شديداً، نعم شديداً (¬1) .
وقال البخاري في " صحيحه " (¬2) : وقال ابنُ أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه.
ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلاَّ مؤمِنٌ، ولا أمنه إلا منافق (¬3) . انتهى.
وروي عن الحسن أنَّه حَلَفَ: ما مضى مؤمِنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشفِق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخفِ النفاق، فهو منافق (¬4) .
وسَمِعَ رجل أبا الدرداء يتعوَّذُ من النفاق في صلاته، فلما سلَّم، قال له: ما شأنك وشأنُ النفاق؟ فقال: اللهمَّ غفراً - ثلاثاً - لا تأمن البلاءَ، واللهِ إنَّ الرجل ليُفتَنُ في ساعةٍ واحدة، فينقلِبُ عن دينه (¬5) . والآثار عن السَّلف في هذا كثيرة جداً. قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق (¬6) .
وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاقَ على نفسه، قيل له: إنَّهم يقولون:
إنَّ عمر لم يَخَفْ أنْ يكونَ يومئذ منافقاً حتى سأل حُذيفة، ولكن خاف أنْ يُبتلى
بذلك قبل أنْ يموت، قال: هذا قولُ أهل البدع، يشير إلى أنَّ عمر كان يخاف
النفاقَ على نفسه (¬7) في الحال،
¬_________
(¬1) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (686) ، والفريابي في " صفة المنافق " (81) ، وأبو نعيم في " الحلية " 2/307.
(¬2) ذكره البخاري 1/19 معلقاً، وأخرجه في " التأريخ الكبير " 5/43 (6482) موصولاً.
(¬3) ذكره البخاري 1/19 معلقاً، وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (859) موصولاً.
(¬4) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (687) ، والفريابي في " صفة المنافق " (87) .
(¬5) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (73) و (74) ، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(857) .
(¬6) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (93) ، ومن طريقه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " 11/162.
(¬7) سأل أبان الحسن فقال: هل تخاف النفاق قال: وما يؤمنني وقد خاف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وأخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (84) .
وقال معاوية بن قرة: أن لا أكون فيّ نفاق أحب إليّ من الدنيا وما فيها كان عمر - رضي الله عنه - يخشاه وآمنه أنا.
أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (86) .