كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)
وقد رُوي هذا الحديثُ من حديث ابنِ عمر عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬1) ، ولكن في إسناده من لا يُعرف حاله. قاله أبو حاتم الرازي (¬2) .
وهذا الحديثُ أصل (¬3) في التوكُّل، وأنَّه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزقُ، قال الله - عز وجل -: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (¬4) ، وقد قرأ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية على أبي ذرٍّ، وقال له: ((لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أخَذوا بها لَكَفتهم)) (¬5) يعني: لو أنهم حقَّقوا التَّقوى والتوكل؛ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم. وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديثِ ابن عباس: ((احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ)) (¬6) .
قال بعضُ السلف: بِحَسبِكَ من التوسل إليه أن يَعلَمَ من قلبك حُسنَ توكُّلك
عليه، فكم من عبدٍ من عباده قد فوَّضَ إليه أمره، فكفاه منه ما أهمّه (¬7) ، ثم قرأ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} ، وحقيقة التوكّل: هو صدقُ اعتماد القلب على الله - عز وجل - في استجلاب المصالح، ودفعِ المضارِّ من أمور الدنيا والآخرة كُلِّها، وكِلَةُ الأمور كلّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يَضرُّ ولا ينفع سواه.
قال سعيدُ بنُ جبير: التوكل جِماع الإيمان (¬8) .
وقال وهب بن مُنبِّه: الغاية القصوى التوكل (¬9) .
قال الحسن: إنَّ توكلَ العبد على ربِّه أنْ يعلمَ أن الله هو ثقته (¬10) .
وفي حديث ابنِ عباس عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((مَنْ سرَّه أنْ يكونَ أقوى الناس،
¬_________
(¬1) أخرجه: أبو نعيم في " تأريخ أصبهان " 2/297.
(¬2) قال عقب تخريج هذا الحديث: ((فيه سعيد بن إسحاق بن الحمار مجهول لا أعرفه)) . انظر: العلل 2/380 (1832) .
(¬3) سقطت من (ص) .
(¬4) الطلاق: 2 - 3.
(¬5) أخرجه: أحمد 5/178، وابن ماجه (4220) ، والنسائي في " الكبرى " (11603) ، وفي إسناده انقطاع.
(¬6) سبق عند الحديث (19) .
(¬7) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " التوكل " (5) .
(¬8) أخرجه: ابن أبي شيبة (29589) و (35342) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/274.
(¬9) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " 66/288.
(¬10) أخرجه: ابن أبي الدنيا (18) .