كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)
نحن متوكِّلون، فيحجُّون، فيأتون مكة، فيسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (¬1) (¬2) ، وكذا قال مجاهدٌ (¬3) ، وعكرمة (¬4) ، والنخعي (¬5) ، وغيرُ واحد من السَّلف (¬6) ، فلا يُرخَّصُ في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبُه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكُلية.
وقد رُوي عن أحمد أنَّه سُئل عن التوكُّل، فقال: قطعُ الاستشراف باليأس من الخلق، فسُئِلَ عن الحُجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم - عليه السلام - لما عرض له جبريلُ وهو يُرمى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك، فلا (¬7) .
وظاهر كلام أحمد أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئِل عمَّن يقعدُ ولا يكتسِبُ ويقول: توكَّلت على الله، فقال: ينبغي للناس كُلِّهم يتوكَّلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب (¬8) .
وروى الخلال بإسناده عن الفُضيل بن عياض أنَّه قيل له: لو أنَّ رجلاً قعد في
بيته زعم أنَّه يثق بالله، فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق بالله حتى يعلم منه أنَّه قد وثق
به، لم يمنعه شيءٌ أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غَيرُهم، وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُؤجِّرُ نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله - عز وجل -، وقال الله - عز وجل -: {وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ} (¬9) ، ولابُد من طلب المعيشة.
¬_________
(¬1) البقرة: 197.
(¬2) أخرجه: الطبري قي " تفسيره " (2967) .
(¬3) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (2976) .
(¬4) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (2970) .
(¬5) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (2974) .
(¬6) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (2978) عن الحسن.
(¬7) ذكره: ابن مفلح في " المقصد الأرشد " 3/122، ولا يخفى أنَّ هذا من الإسرائيليات، ولم يرد في المرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(¬8) انظر: فتح الباري لابن حجر 11/276.
(¬9) الجمعة: 10.