كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 3)

وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله - عز وجل - إلا أفاد منه حبَّ الله. وكان بعضُ السَّلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلنْ يسأم محبوك من مناجاتك
وذكرك.
قال أبو جعفر المحَوَّلي: وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه، ولا يسأمُ من خدمته (¬1) . وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ
أحيانه (¬2) ، والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارةٍ أو على حدث.
وقال مِسعر: كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ، ويوسفُ - عليه السلام - في السجن لا يسكن عن ذكر الله - عز وجل -.
وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا يُنام حتّى يُسبِّحَ به (¬3) .
وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من
القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها
بالتسبيح (¬4) .
وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يَفتُرُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أنْ تُخطئ الأصابع، يعني أنَّه يَعُدُّ ذلك بأصابعه (¬5) .
وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشرة ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر، اختُلِست من بين أيدي الرجال (¬6) .
كان الحسن البصري كثيراً ما يقول إذا لم يُحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إنَّ صاحبكم لفقيه، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلاّ بُني له بيتٌ في الجنَّة.
¬_________
(¬1) قال العارفون: ومن علامات صحة القلب أن لا يغتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره. فيض القدير 1/2 - 7.
(¬2) سبق تخريجه وهو عند أحمد 6/70 و153، والترمذي (3384) .
(¬3) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " 1/383.
(¬4) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " 5/210.
(¬5) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " 5/157، والبيهقي في " شعب الإيمان " (719) .
(¬6) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (720) .

الصفحة 1289