كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 1)
إنَّ الرَّجُلَ ليُعْجِبهُ مِن
شِراكِ نعله أنْ يكونَ أجود من شراكِ صاحبه فَيدْخُلُ في قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (¬1) (¬2) . وكذا رُوي عن الفضيل بنِ عياض في هذه الآية، قال: لا يُحِبُّ أنْ يكونَ نعلُه أجودَ من نعل غيره، ولا شِراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره (¬3) .
وقد قيل: إنَّ هذا محمولٌ على أنَّه إذا أراد (¬4) الفخر على غيره لا مجرَّد التجمل (¬5) ، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرين في هذه الآية: العلوُّ في الأرض: التكبُّر، وطلبُ الشرف والمنْزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي (¬6) .
وقد ورد ما يَدُلُّ على أنَّه لا يأثم مَنْ كره أنْ يفوقَه من الناسِ أحدٌ في الجمال، فخرَّج الإمامُ أحمدُ - رحمه الله - (¬7) والحاكم في " صحيحه " (¬8) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وعنده مالكُ بن مرارةَ الرَّهَاوِيُّ، فأدركتُه وهو يقول: يَا رسولَ الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحبُّ أحداً من النَّاس فضلني بشِراكَيْن فما فوقهما، أليس ذلك هو من البَغي؟ فقال: ((لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغَمط الناس)) .
وخرَّج أبو داود (¬9) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معناه، وفي
¬_________
(¬1) القصص: 83.
(¬2) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (21060) وطبعة التركي 18/344، وابن أبي حاتم في
" تفسيره " 9/3023 (17181) ، وأبو حيان في " تفسيره " 7/131، وأورده ابن كثير في " تفسيره ": 1427 (طبعة دار ابن حزم) ، والسيوطي في " الدر المنثور " 5/265.
(¬3) عبارة: ((ولا شراكه أجود من شراك غيره)) سقطت من (ص) .
(¬4) ((إذا أراد)) سقطت من (ص) .
(¬5) ذكره: ابن كثير في " تفسيره ": 1427 (طبعة دار ابن حزم) .
(¬6) ذكره: الطبري في " تفسيره " (21056) و (21059) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " 9/3022 (17176) و9/3023 (17185) ، وابن الجوزي في " تفسيره " 6/248، والقرطبي في " تفسيره " 13/320، وابن كثير في " تفسيره ": 1427 طبعة دار ابن حزم، والسيوطي في " الدر المنثور " 5/264-265.
(¬7) في " المسند " 1/385، وهو حديث صحيح.
(¬8) " المستدرك " 4/182.
(¬9) في " سننه " (4092) وهو صحيح.