كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)
وأنَّ القرآن يصعَد فيشفعُ له (¬1) .
وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: ((سبحان الله والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بَينَ السماء والأرض)) (¬2) ، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النَّسائي وابنِ ماجه: ((التسبيحُ والتَّكبيرُ ملءُ السَّماءِ والأرض)) ، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معاً يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلاً منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل (¬3) . وفي حديث أبي هريرة والرجلِ الآخر أنَّ التكبير وحدَه يملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرض.
وبكلِّ حال فالتسبيح دونَ التحميد في الفضل كما جاء صريحاً في حديث عليٍّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سُليمٍ: أنّ التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، وسببُ ذلك أنَّ التحميدَ إثباتُ المحامد كلِّها لله، فدخل في ذلك إثباتُ صفاتِ الكمال ونعوتِ الجلال كلِّها، والتسبيحُ هو تنزيه اللهِ عن النقائص والعيوب والآفات (¬4) ، والإثباتُ أكملُ من السلب، ولهذا لم يرد التسبيحُ مجرَّداً، لكن مقروناً بما يدلُّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرَنُ بالحمد، كقولِ: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله والحمد لله،
¬_________
(¬1) أخرجه: عبد الرزاق (6703) ، وابن أبي شيبة (12062) ، وهناد بن السري في
" الزهد " (338) ، والطبري في " تفسيره " (15709) ، وابن حبان (3113) ، والطبراني في " الأوسط " (2651) ، والحاكم 1/379 - 380 و380 - 381، والبيهقي في " الاعتقاد ": 220 - 221 وفي " إثبات عذاب القبر "، له (67) ، من حديث أبي هريرة، به.
(¬2) قال النووي: ((وأما معناه فيحتمل أن يقال لقدر ثوابهما جسماً لملأ ما بين السماوات والأرض وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى، بقوله: ((سبحان الله)) والتفويض والافتقار إلى الله بقوله: ((الحمد لله)) ، والله أعلم)) . شرح النووي لصحيح مسلم 2/87.
(¬3) قال السندي: ((بالإفراد، أي: كل منهما أو مجموعهما، وفي بعض النُّسخ يملأن بالتثنية، والظاهر أنَّ هذا يكون عند الوزن)) . حاشية السندي في سنن النسائي 5/6.
(¬4) قال السندي: ((التسبيح هو التنزيه عن جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس)) . حاشية السندي 3/78.