كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)
وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ.
وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم - سبحانه وتعالى -، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه (¬1) ، فإنَّه لا يُوصَفُ إلاَّ بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله! والله أعلم.
وقوله: ((وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تظالموا)) يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقاً، وهو نوعان:
أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (¬2) ، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله - عز وجل -: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (¬3) ، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ.
والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع: ((إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) (¬4) .
¬_________
(¬1) ((وتقديره)) لم ترد في (ص) .
(¬2) لقمان: 13.
(¬3) البقرة: 254.
(¬4) أخرجه: ابن أبي شيبة (37164) ، وأحمد 5/37 و39 و49، والدارمي (1916) ، والبخاري 1/26 (67) و1/38 (105) و2/216 (1741) و5/224 (4406) و7/130 (5550) ، ومسلم 5/ 107 - 108 (1679) (29) و (30) و (31) ، والبزار (3617) ، وابن الجارود (833) ، والنسائي في " الكبرى " (4092)
و (4093) و (5850) من حديث أبي بكرة، به مرفوعاً. ...