كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)
اللهِ بَاقٍ} (¬1) ، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلاً، فإنَّه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضربَ الخضرُ لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله - عز وجل - (¬2) ،
وهذا لأنَّ البحر لا يزال تمدُّهُ مياه الدُّنيا وأنهارُها الجاريةُ، فمهما أُخِذَ منه، لم يَنْقُصْهُ شيءٌ؛ لأنَّه يمدُّه ما هو أزيدُ ممَّا أخذ منه، وهكذا طعامُ الجنَّة وما فيها، فإنَّه لا ينفدُ، كما قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} (¬3) ، وقد جاء: ((أنَّه كلَّما نُزِعت ثمرةٌ، عاد مكانها مثلُها)) وروي: ((مثلاها)) (¬4) ، فهي لا تنقُصُ أبداً ويشهد لذلك قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الكسوف: ((وأريتُ الجنَّة، فتناولتُ منها عنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا)) خرَّجاه في
" الصحيحين " من حديث ابن عباس (¬5) ، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابرٍ، ولفظه: ((ولو أتيتكم به لأكل منه مَنْ بينَ السَّماء والأرض، لا يَنقصُونَه شيئاً)) (¬6) .
¬_________
(¬1) النحل: 96.
(¬2) وهو معنى من حديث طويل وفيه: (( ... قال: وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر بمنقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر ... )) اللفظ لابن حبان.
أخرجه: الحميدي (371) ، وأحمد 5/117 - 118، والبخاري 1/41 (122) و4/188 (3401) و6/110 (4725) و6/115 (4727) ، ومسلم 7/103 - 104 (2380) (270) ، والترمذي (3149) ، والنسائي في "الكبرى" (11308) ، والطبري في " تفسيره " (17493) ، وابن حبان (6220) ، والحاكم 2/369، والبيهقي في " الأسماء والصفات " 144 - 146 من طرق عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، به.
(¬3) الواقعة: 32 - 33.
(¬4) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (1449) ، وعزاه الهيثمي في " مجمع الزوائد " 10/414 للبزار أيضاً. وضعفه بسبب عباد بن منصور. انظر: تهذيب الكمال 4/55 (3081) .
(¬5) أخرجه: البخاري 1/190 (748) و2/45 (1052) ، ومسلم 3/33-34 (907) ... (17) .
(¬6) المسند 3/352 - 353 و5/137 من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن
عبد الله، به، وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف عند التفرد، وقد تفرد.