كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)

وقد تقدَّم في حديث أبي موسى (¬1) المخرَّج في " الصحيحين ": ((فإنْ لم يفعل، فليمسك عَنِ الشَّرِّ، فإنَّه له صدقة)) . وهذا يدلُّ على أنَّه يكفيه أنْ لا يفعل شيئاً من الشرِّ، وإنَّما يكون مجتنباً للشرِّ إذا قام بالفرائض، واجتنبَ المحارمَ، فإنَّ أعظمَ الشرِّ تركُ الفرائض، ومن هنا قال بعضُ السَّلف: الشُّكرُ ترك المعاصي (¬2) . وقال بعضهم: الشُّكرُ أنْ لا يُستعانَ بشيءٍ مِنَ النِّعَمِ على معصية (¬3) .
وذكر أبو حازمٍ الزاهد شُكْرَ الجوارح كُلِّها، وأنْ تُكفَّ عن المعاصي وتُستعمل في الطاعات، ثم قال: وأمَّا من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كِساءٌ، فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر (¬4) .
وقال عبد الرحمان بن زيد بن أسلم: لينظر العبدُ في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصرِه ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيءٌ إلاَّ وفيه نعمةٌ من الله - عز وجل -، حقٌّ على العبد أنْ يعملَ بالنِّعم التي في بدنه لله - عز وجل - في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، حق عليه أنْ يعمل لله - عز وجل - فيما أنعم عليه مِنَ الرِّزق في طاعته، فمن عمل بهذا، كان قد أخذ بحزم الشُّكر وأصله وفرعه (¬5) . ورأى الحسن رجلاً يتبختر في مشيته، فقال: للهِ في كُلِّ عُضوٍ منه نعمة، اللهمَّ لا تجعلنا ممن يتقوَّى بنعمك على معصيتك.
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) أخرجه: أبن أبي الدنيا في " الشكر " (19) عن مخلد بن الحسين.
وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (4547) عن محمد بن لوط.
(¬3) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (6045) عن الجنيد بلفظ: ((الشكر أن لا يعصى الله فيما أنعم به)) .
(¬4) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الشكر " (129) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 3/246، والبيهقي في " شعب الإيمان " (4564) .
(¬5) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الشكر " (188) .

الصفحة 718