كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)
وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حِمار: ((إني خلقتُ عبادي حنفاءَ مسلمين، فأتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتهُم أنْ يُشرِكوا بي ما لم أنزِّل به سلطاناً)) (¬1) .
وقوله: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه، كما تُنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تُحِسُّونَ فيها من جدعاء؟)) قال أبو هريرة: اقرؤوا إنْ شئتم: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} (¬2) .
ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفاً، وما نهى عنه منكراً، فقال: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} (¬3) ، وقال في صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (¬4) ، وأخبر أنَّ قلوب المؤمنين تطمئنُّ بذكره، فالقلبُ الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به وانفسح، يسكن للحقِّ، ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله (¬5) .
قال معاذ بن جبل: أحذركم زيغةَ الحكيم، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يُدريني أنَّ الحكيمَ قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمةَ الحقِّ؟ قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنَّه لعلَّه أنْ يُراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعته، فإنَّه على الحقِّ نوراً، خرَّجه أبو داود (¬6) . وفي روايةٍ له قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيمِ حتَّى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟ (¬7)
فهذا يدل على أنَّ الحقَّ والباطل لا يلتبِسُ أمرُهما على المؤمن البصير،
بل يعرف
¬_________
(¬1) أخرجه: مسلم 8/158 (2865) (63) عن عياض بن حِمَار المجاشعي، به.
(¬2) الروم: 30. =
= ... والحديث أخرجه: معمر في " جامعه " (20087) ، وأحمد 2/233 و275 و315، والبخاري 1/118 (1358) و (1359) و8/153 (6599) ، ومسلم 8/52
(2658) (22) و8/53 (2658) (24) ، وابن حبان (130) ، والبيهقي 6/203، والخطيب في " تأريخه " 3/308، والبغوي (84) من حديث أبي هريرة، به. ...
(¬3) النحل: 90.
(¬4) الأعراف: 157.
(¬5) انظر: تفسير البغوي 3/20، وتفسير ابن كثير: 1012 (ط. دار ابن حزم) .
(¬6) في " السنن " (4611) . وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " 1/232 - 233 عن معاذ بن جبل، به.
(¬7) أخرجه: أبو داود (4611) عن معاذ بن جبل، به.