كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)

وفي رواية أحمد وأبي داود والترمذي: ((بليغة)) ، وفي روايتهم أنَّ ذلك كانَ بعد صلاةِ الصُّبح، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كثيراً ما يَعِظُ أصحابَه في غير الخُطَبِ الرَّاتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: {وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} (¬1) ، وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (¬2) ، ولكنَّه كان لا يُديم وعظهم، بل يتخوّلُهُم به أحياناً، كما في " الصحيحين " (¬3)
عن أبي وائل، قال: كان عبدُ الله بنُ مسعودٍ يذكِّرنا كلَّ يوم خميسٍ، فقال له رجل: يا أبا
عبد الرحمان، إنَّا نحبُّ حديثَك ونشتهيه، ولَودِدْنا أنَّك حدَّثتنا كلَّ يومٍ، فقال: ما يمنعني أنْ أحدِّثكم إلا كراهةَ أنْ أُمِلَّكم، إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.
والبلاغةُ في الموعظة مستحسنةٌ؛ لأنَّها أقربُ إلى قَبولِ القلوب واستجلابها، والبلاغةُ: هي التَّوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسنِ صُورةٍ مِنَ الألفاظ الدَّالَّة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب. وكان - صلى الله عليه وسلم - يقصر خطبتها، ولا يُطيلُها، بل كان يُبلِغُ ويُوجِزُ.
وفي " صحيح مسلم " (¬4) عن جابر بنِ سمُرة قال: كنتُ أُصلِّي معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكانت صلاتُه قصداً، وخطبته قصداً.
وخرَّجه أبو داود (¬5) ولفظه: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُطيلُ الموعظةَ يومَ الجمعة، إنَّما هو كلمات يسيرات.
وخرَّج مسلم (¬6) من حديث أبي وائل قال:
¬_________
(¬1) النساء: 63.
(¬2) النحل: 125.
(¬3) صحيح البخاري 1/27 (68) و8/109 (6411) ، وصحيح مسلم 8/142 (2821) (82) و (83) .
وأخرجه أيضاً: الطيالسي (255) ، والحميدي (107) ، وابن أبي شيبة (26515) ، وأحمد 1/377 و378 و427 و465، والترمذي (2855) ، والنسائي في " الكبرى "

(5889) ، وابن حبان (4524) من طرق، عن أبي وائل، بهذا الإسناد.
(¬4) الصحيح 3/11 (866) (41) و (42) .
(¬5) في " سننه " (1107) ، وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب.
(¬6) في " صحيحه " 3/12 (869) (47) .

الصفحة 760