كتاب جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (اسم الجزء: 2)

وخرَّج الإمام أحمد (¬1) من حديث عبد الله بن سلمة، عن عليٍّ، أو عنِ الزُّبير
ابن العوّام، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطُبنا، فيذكِّرُنا بأيَّامِ الله، حتّى يُعرَف ذلك في وجهه، وكأنه نذيرُ قوم يُصبِّحهم الأمرُ غُدوةً، وكان إذا كان حديثَ عهدٍ بجبريلَ لم يتبسَّمْ ضاحكاً حتَّى يرتفع عنه.
وخرَّجه الطبراني والبزارُ (¬2) من حديث جابر، قال: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه الوحيُّ، أو وعظَ، قلت: نذير قوم أتاهُم العذابُ، فإذا ذهبَ عنه ذلك، رأيت أطلقَ الناس وجهاً، وأكثَرهم ضَحِكاً، وأحسنهم بِشراً - صلى الله عليه وسلم -.
وقولهم: ((يا رسول الله كأنَّها موعظةُ مودِّع، فأوصنا)) يدلُّ على أنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك فَهِموا أنَّها موعظةُ مودِّعٍ، فإنَّ المودِّع يستقصي ما لا يستقصي غيرُه في القول والفعل، ولذلك أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُصلي صلاة مودِّعٍ (¬3) ؛
لأنَّه مَنِ استشعر أنَّه مودِّع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولرُبما كان قد وقع منه - صلى الله عليه وسلم - تعريضٌ في تلك الخطبة بالتَّوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: ((لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)) (¬4) ، وطفق يودِّعُ الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع،
¬_________
(¬1) في " مسنده " 1/167، وفي سنده عبد الله بن سلمة وحديثه من قبيل الحسن، والله أعلم.
(¬2) كما في " كشف الأستار " (2477) ، وذكره الهيثمي في " المجمع " 9/17، وقال
: ((رواه البزار وإسناده حسن)) .
(¬3) أخرجه: أحمد 5/412، وابن ماجه (4171) ، والطبراني في " الكبير " (3987)
و (3988) من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ فقال: عِظني وأوجز، فقال: ((ثم إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غداً واجمع الإياس مما في يدي الناس)) بلفظ أحمد.

وورد أيضاً عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأنس بن مالك.
(¬4) أخرجه: أحمد 3/318، ومسلم 4/79 (1297) (310) ، وأبو داود (1970) ، والترمذي (886) ، والنسائي 5/270، وابن خزيمة (2877) ، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (2995) و (2997) ، والبيهقي 5/125 و130 من حديث جابر بن
عبد الله، به. والروايات متباينة اللفظ متفقة المعنى.

الصفحة 764