"البقرة" و"آل عمران" جدّ فينا -يعني عَظُمَ- فكان النَّبِيّ يُملي عليه: {غَفُورًا رَحِيمًا} فيكتب: عليمًا حكيمًا. فيقول له النّبِيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اكتُبْ كذا وكذا، اكتُبْ كيف شِئْتَ". ويُمْلي عليه (عليمًا حكيمًا) فيكتب: سميعًا بصيرًا، فيقول: "اكتُبْ كيف شِئْتَ". فارتدَّ ذلك الرّجُلُ عن الإسلام، فَلَحِقَ بالمشركين، وقال: أنا أعلمُكم بمحمّد، إنْ كُنْتُ لأكتُبُ ما شِئْتُ، فمات ذلك الرّجل، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ الأرضَ لا تقبله".
قال أنس: فحدّثني أبو طلحة أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرَّجُل فوجدوه منبوذًا. قال أبو طلحة: ما شأنُ هذا الرجل؟ قالوا: دفنّاه مرارًا فلم تقبله الأرض (١).
الذي أُخْرِجَ في الصحيحين: أنّ رجلًا كان يكتب لرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ارتدَّ، فدُفِنَ فلم تقبلْه الأرض (٢).
فأمَّا ما في هذا الحديث من قوله: كان يُملي {غَفُورًا رَحِيمًا} فيكتب عليمًا حكيمًا، فيقول: "اكتُبْ كيف شِئْتَ" فليس في الصحيح. ووجهُه -إنْ ثَبَتَ- أنّ الذين كانوا يكتبون كان فيهم قِلّة، فكأنه كان يغتنم ضبط الوحي خوفَ أن يتفلّت منه، ويثقُ بإصلاح ما وَقَع فيه الخطأ: اما من حفظه، أو بمعاودة جبريل، أو لعلمه أنّ اللَّه يحفظ كتابَه بقوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩].
(٤١٧) الحديث الرابع والتسعون بعد المائتين: وبه عن أنس:
أنَّ رسول اللَّه كان بالبَقيع، فنادى رجلٌ رجلًا: يا أبا القاسم، فالتفت النَّبِيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال الرَّجل: لَمْ أَعْنِك يا رسول اللَّه، إنّما عَنَيْتُ فُلانًا. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَسَمُّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتي".
أخرجاه (٣).
(٤١٨) الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد ابن هارون قال: حدّثنا شُعبة عن قتادة عن أنس قال:
---------------
(١) المسند ١٩/ ٢٤٧ (١٢٢١٥). ورجاله رجال الشيخين. وصحّحه ابن حبّان من طريق حُميد ٣/ ١٩ (٧٤٤). وينظر إتحاف الخيرة ٥/ ٢١٤ - ٢١٦ (٤٦٩١ - ٤٦٩٦).
(٢) البخاري ٦/ ٦٢٤ (٣٦١٧)، عن طريق عبد العزيز بن صُهيب عن أنس. ومسلم ٤/ ٢١٤٥ (٢٧٨١) عن ثابت عن أنس.
(٣) المسند ١٩/ ٢٤٩ (١٢٢١٨)، وعن حميد في البخاري ٤/ ٣٣٩ (٢١٢٠)، ومسلم ٣/ ١٦٨٢ (٢١٣١).