كتاب جامع المسانيد لابن الجوزي (اسم الجزء: 6)

جئتُ. فقلت: لآتِيَنّ هذا الرجلَ، فواللَّه لئن كان صادقًا فلأسْمَعَنّ منه، ولئن كان كاذبًا ما هو بضائري، قال: فأتيْتُه. واستَشْرَفَني النّاسُ وقالوا: عديّ بن حاتم، عديّ بن حاتم. قال: فدخلْتُ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لي: "يا عديَّ بن حاتم، أسْلِم تَسْلَمْ". فقلت: إنّي من أهل دين. قال: "أنا أعلمُ بدينك منك" فقلت: أنت أعلم بديني منّي؟ قال: "نعم، ألسْتَ من الرَّكوسيّة، وأنت تأكل مِرباعَ قومك؟ " قلت: بلى. قال: "فإنّ هذا لا يَحِلُّ لك في دينك". قال: فلم يَعْدُ أن قالها فتواضَعْتُ لها. فقال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتَّبَعَه ضَعَفةُ النّاس ومَن لا قوّة له، وقد رمَتْهم العربُ، أتعرِفُ الحِيرة؟ " قلت: لم أرَها، وقد سمعتُ؟ قال: "فوالذي نفسي بيده، لَيُتِمَّنَّ اللَّه عزّ وجلّ هذا الأمرَ حتى تَخْرُجَ الظَّعينةُ من الحيرة حتى تطوفَ بالبيت في غير جوار أحد. ولتُفْتَحَنَّ كنوز كِسرى بن هُرْمُز". قلتُ: كِسرى بن هُرْمُز؟ قال: "نعم، كِسرى بن هُرْمُز. وليُبْذَلَنّ المال حتى لا يقبلَه أحد".
قال عديّ بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هُرْمزُ. والذي نفسي بيده، لتَكونَنّ الثالثة؛ لأنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد قالها (١).
هذا بمعنى الحديث.
* طريق آخر:
حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة قال: سمعتُ سماك بن حرب قال: سمعت عبّاد بن حُبَيش يحدّث عن عديّ بن حاتم قال:
جاءت خيل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذوا عمّتي وناسًا، فلمّا أتَوا بهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صُفّوا له، فقالت: يا رسول اللَّه، نأى الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خِدمة، فمُنَّ عليّ مَنَّ اللَّه عليك. قال: "من وافِدُكَ؟ " قالت: عديّ بن حاتم. قال: "الذي فرّ من
---------------
(١) هذه رواية يزيد بن هارون عن هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن رجل عن عديّ - المسند ٤/ ٢٥٧. ورواية محمد بن أبي عدي ٤/ ٣٧٨ باختلاف وزيادة عمّا هنا.
والحديث رجاله رجال الصحيح عدا ابن حذيفة، أبي عبيدة، فهو مقبول، أخرج له ابن ماجة والنسائي، ومع ذلك صحّحه الحاكم ٤/ ٥١٨ وجعله على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وبعض فقر هذا الحديث مرّت في حديث البخاري السالف.

الصفحة 60

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text