كتاب غياث الأمم في التياث الظلم

554 - وَإِنَّمَا يَنْهَى آحَادُ النَّاسِ عَنْ شَهْرِ الْأَسْلِحَةِ اسْتِبْدَادًا إِذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ [وَزَرٌ] قَوَّامٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ، وَجَبَ الْبِدَارُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ إِلَى دَرْءِ الْبَوَائِقِ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَنَهْيُنَا الرَّعَايَا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَنْفُسِ مِنْ قَبِيلِ [الِاسْتِحْثَاثِ] عَلَى مَا هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّلَاحِ، وَالْأَدْنَى إِلَى النَّجَاحِ، فَإِنَّ مَا يَتَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ مِنْ أُمُورِ السِّيَاسَةِ أَوْقَعُ وَأَنْجَعُ، وَأَدْفَعُ لِلتَّنَافُسِ، وَأَجْمَعُ لِشَتَاتِ الرَّأْيِ فِي تَمْلِيكِ الرَّعَايَا أُمُورَ الدِّمَاءِ، وَشَهْرَ الْأَسْلِحَةِ، وَجُوهٌ مِنَ الْخَبَلِ لَا [يُنْكِرُهَا] ذَوُو الْعَقْلِ.
وَإِذَا لَمْ يُصَادِفِ النَّاسُ قَوَّامًا بِأُمُورِهِمْ يَلُوذُونَ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْقُعُودِ عَمَّا يَقْتَدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ الْفَسَادِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ تَقَاعَدُوا عَنِ الْمُمْكِنِ، عَمَّ الْفَسَادُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
وَإِذَا أُمِرُوا بِالتَّقَاعُدِ فِي قِيَامِ السُّلْطَانِ، كَفَاهُمْ ذُو الْأَمْرِ الْمُهِمَّاتِ، وَأَتَاهَا عَلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ.
555 - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي
الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ.
556 - وَلَوِ انْتُدِبَ جَمَاعَةٌ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ لِلْغَزَوَاتِ، وَأَوْغَلُوا فِي مُوَاطِنِ الْمَخَافَاتِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا مَنْ يَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ إِذْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَهَوَوْا فِي وَرَطَاتِ الْمَخَافَاتِ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَالَاتِ (206) .
557 - وَمِمَّا يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ أُمُورُ الْوِلَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْوُلَاةِ كَتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَالْقِيَامِ بِأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، فَأَقُولُ:
ذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ إِلَى أَنَّ [مِمَّا] يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ تَزْوِيجَ الْأَيَامَى، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَطَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُرَّةَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ زَوَّجَهَا، وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ، وَشَغَرَ الزَّمَانُ عَلَى السُّلْطَانِ، فَنَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَسْمَ بَابِ النِّكَاحِ مُحَالٌ

الصفحة 387