كتاب غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن

من أمور الدِّين والدُّنيا إلَّا بعد مشورة ذي عقل راجح، ورأي ناصح.

خطاب الجمع بلفظ الواحد
قد يذكر الواحد ويراد به الجمع في القرآن الكريم على عادة العرب، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ... (٨٠)} أي اعتزلوا متناجين، والنَّجِيّ مصدر يصلحُ للجماعة وللواحد، قال تعالى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)} [مريم] ويجمع على أنْجِيَة.
ومن ذلك في التَّنزيل، قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)} [النِّساء] أي رفقاء، وقوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ... (٤)} [المنافقون] أي الأعداء.

يعقوب يتلقَّى النَّبأ بالصَّبر والآمال
رجع الإخوة أدراجهم إلى أبيهم، وقالوا له ما قاله كبيرُهم، فلمَّا سمع أبوهم هذا النَّبأ الفظيع {قَالَ} مكذِّباً: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} وكيداً ثانياً دبَّرتموه لولدي، وإلَّا فَمَنْ أعْلَمَ عزيز مِصْر أنَّ السَّارق يسترقّ غيركم، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} لا شكوى فيه إلى الخلق {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ} بالثَّلاثة {جَمِيعًا} عاجِلاً أو آجِلاً، فأملي به كبير، ورجائي به قويٌّ، فالكَرْب إذا اشتدَّ هان، والهموم إذا طالت تكشَّفت {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} ... بحالي {الْحَكِيمُ (٨٣)} في تدبيره.

الظَّنُّ على الكاذِب
تقدَّم أنَّ يعقوب ـ - عليه السلام - ـ لم يصدِّقْ أولاده في حالتي كذبهم وصدقهم في حادثتي يُوسُفَ وأخيه، بل قال لهم في المرَّتين مستغشّاً عَيْن العبارة الشَّريفة: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا}؛ لأنَّ مَن عُهِدَ عنه الكَذِب يُظَنُّ به الكذب، ولو تكلَّم بالصِّدق.

الصفحة 154

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text