كتاب غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن
الخامس: المساواة: فقد جاءت الألفاظ مساوية للمعنى، بحيث لم تزد عليه ولم تنقص، ولم تَفْضُل ولم تَقْصُر، فالقرآن فيه بلاغة لا تبارى، وبيان لا يجارى.لواءُ التَّوحيد حمله الأَنبياءُ جميعاً
ويتَّضحُ من قوله: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} نفي لجواز الشِّرك (¬١) في الرُّبوبيَّة أو الألوهيَّة، وإثبات لوجوب التَّوحيد، قال تعالى لنبيِّنا محمَّد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)} [الزُّخرف].
فكلمة لا إله إلا الله هي اللِّواء الَّذي عمل الأنبياءُ جميعاً لرفعه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)} [الأنبياء].
ولا إله إلا الله هي الرَّاية التي عاش في ظلِّها الأنبياء والمرسلون، قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)} [النَّحل] فدين التَّوحيد هو الدِّين الخالص الَّذي جاء به الأنبياء جميعاً؛ لعموم قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... (١٩)} [آل عمران]، وقد جاءتْ الجملةُ معرَّفة الطَّرفين للدِّلالة على الحصر والقصر، أي: لا شرع ولا دين إلَّا الإسلام، وكلامه تعالى لا يقبل النَّقض ولا المداولة {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)} [آل عمران] لأنَّه دينُ التوحيد الحقّ.
والإسلام ليس هو دين النَّبيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ خاصَّة، بل هو دين الأنبياء والرُّسل من
---------------
(¬١) الشِّرك في الألوهيَّة: أن يُعْبَدَ مع الله إله آخر، أمَّا الشِّرك في الربوبيّة: فأن يطاع غير الله في أمرٍ ونهي وتشريع وتحليل وتحريم.