كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (اسم الجزء: 4)
{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]
فَالْمُتَوَفَّى هُوَ الْمَرْفُوعُ إِلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ اللَّاهُوتُ، مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَوْتٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَرْفُوعَ غَيْرَ الْمُتَوَفَّى، وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ الْمُتَوَفَّى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157] .
هُوَ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ:
{إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157] .
وَالْيَهُودُ لَمْ يَدَّعُوا قَتْلَ لَاهُوتٍ، وَلَا أَثْبَتُوا لِلَّهِ لَاهُوتًا فِي الْمَسِيحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ دَعْوَى قَتْلِهِ عَنِ النَّصَارَى حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ مَقْصُودَهُمْ قَتْلُ النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، بَلْ عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا النَّاسُوتَ.
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157] .
فَأَثْبَتَ رَفْعَ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ النَّاسُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ الْقَتْلُ. وَهُوَ الَّذِي رُفِعَ، وَالنَّصَارَى مُعْتَرِفُونَ بِرَفْعِ النَّاسُوتِ، لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صُلِبَ، وَأَقَامَ فِي الْقَبْرِ إِمَّا يَوْمًا وَإِمَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ الرَّبِّ النَّاسُوتُ مَعَ اللَّاهُوتِ.
الصفحة 39