كتاب الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان (اسم الجزء: 3)
حين جهر، ولو كان يختلف الحكم إذا زاد في جهره على مقدار الآية لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد فصلت حكم الجهر بالقراءة في مسألة مستقلة سابقة، فارجع إليه إن رمت الوقوف على أدلتهم.
وقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا (¬١).
وهذا القول شاذ، فإن الجهر والإسرار ليس فيهما إلا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يحفظ في السنة أمر منه بهما، وأفعاله التعبدية على الاستحباب، لا على الوجوب، إلا ما كان منها بيانًا لمجمل واجب، وليس هذا منها.
وقال ابن بطال: «وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه» (¬٢).
واعتبر القاضي عياض: أن الجهر بالآية في الصلاة السرية دون الجهر المعتاد بالصلوات الجهرية، وهو نوع من الجهر الخفيف، فإذا جهر بهذه الصفة فلا شيء فيه (¬٣).
هل أراد القاضي عياض أن يقول: إن الجهر الخفيف لا يعطى حكم الجهر، إن كان أراد ذلك فهو قول ضعيف، ومخالف للمذهب.
فالمالكية يرون أن أدنى الجهر أن يسمع نفسه، ومن يليه (¬٤)، وقد قال أبو قتادة: ويسمعنا الآية، فعبر بلفظ الجمع، فهو مقطوع بإسماع من يليه.
وقال الشافعي: «لا نرى بأسًا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ ليعلم من خلفه أنه يقرأ» (¬٥).
---------------
(¬١). المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٥٤).
(¬٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٧٧).
(¬٣). انظر إكمال المعلم (٢/ ٣٦٧).
(¬٤). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٧٦).
(¬٥). معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٩١)، وانظر فتح الباري (٧/ ٨٦).