كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 1)
واعلم: أنّ المراد بالكذب في الحقيقة: الكذب في العبوديّة والقيام بحقوق الربوبيّة، كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم، ولا يصح الاقتداء بأرباب الكذب مطلقا، ولا يعتمد عليهم، فإنّهم يجرّون إلى الهلاك، والفراق عن مالك الأملاك.
وأمال حمزة (¬1) {فَزادَهُمُ}، ووافقه ابن ذكوان، وأجمع القراء على فتح الراء في قوله: {مَرَضٌ}، إلّا ما رواه الأصمعيّ، عن أبي عمرو: أنّه قرأ بإسكان الراء. وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي {يكذبون} بالتخفيف. وقرأ الحرميان: نافع، وابن كثير، والعربيان: أبو عمرو، وابن عامر بالتشديد.
وقد سئل (¬2) القرطبيّ وغيره من المفسرين، عن حكمة كفّه صلّى الله عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ فذكروا أجوبة عن ذلك.
منها: ما ثبت في «الصحيحين»: أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر - رضي الله عنه -: «أكره أن يتحدّث العرب أنّ محمدا يقتل أصحابه».
ومنها: ما قال مالك: (إنّما كفّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المنافقين؛ ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه).
ومنها: ما قاله بعضهم: أنّه إنما لم يقتلهم؛ لأنّه كان لا يخاف من شرّهم مع وجوده صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله بينات. فأمّا بعده: فيقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه المسلمون. انتهى.
11 - ثمّ (¬3) شرع في بيان قبائحهم وأحوالهم الشنيعة، وفي الحقيقة: هو تفصيل للمخادعة الحاصلة منهم، فقال: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ}؛ أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين: {لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}؛ أي: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بالكفر، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وإفشاء أسرار المؤمنين إلى
¬__________
(¬1) البحر المحيط.
(¬2) ابن كثير.
(¬3) العمدة.