كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 2)

وقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ لأنّهم لا عهود لهم؛ أي: بل أكثر اليهود لا يصدِّقون ربَّك أبدًا؛ لحَسَدِهم.
وقيل المعنى: بل أكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعتدُّون - نقض العهد والمواثيق ذنبًا، ولا يبالون، وهذا ردٌّ لما يتوهَّم من أنَّ الفريق النابذين هم الأقلُّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاءً. وهذا من (¬1) إخبار الغيب، إذ أنَّ أكثر اليهود ما آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولن يؤمنوا به، فمثل هذا الحكم لا يصدر إلّا ممَّن يعلم خفيَّات الأمور.
والخلاصة: أنَّ الله سبحانه وتعالى، بيَّن في هذه الآية حالين لأهل الكتاب.
أولاهما: أنّه لا يوثق بهم في شيء؛ لما عرف عن كثير منهم من نقض العهود في كل زمان.
ثانيتهما: أنّه لا يرجى إيمان أكثرهم؛ لأنّ الضلال قد استحوذ عليهم، وجعلهم في طغيانهم يعمهون.

101 - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ}؛ أي: ولمَّا أتى اليهود {رَسُولٌ} هو محمد - صلى الله عليه وسلم - {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} متعلِّق بجاء {مُصَدِّقٌ}؛ أي: مُقرِّرٌ {لِمَا مَعَهُمْ}؛ أي: لما مع اليهود من التوراة من (¬2) حيث إنّه - صلى الله عليه وسلم - قرَّر صحتها، أو حقَّق حقيقة نبوّة موسى عليه السلام بما أنزل الله تعالى عليه، أو من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - جاء على وفق ما نعت له فيها {نَبَذَ}؛ أي: طرح ورمى جواب {لَمَّا} {فَرِيقٌ}؛ أي: طائفةٌ {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا} وأعطوا {الْكِتَابَ}؛ أي: التوراة، وتمسَّكوا به أوَّلًا، يعني: علماء اليهود وأحبارهم {كِتَابَ اللَّهِ} الذي أوتوه وهو مفعول نبذ؛ أي: التوراة؛ أي، طرح
¬__________
(¬1) النسفي.
(¬2) المراغي.
(¬3) كرخي.

الصفحة 135