كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 2)
جحدوا، وأنكروا برسالته - صلى الله عليه وسلم - وبِكَوْنِ القرآن من عند الله تعالى حسدًا، وخوفًا على الرئاسة، وحرصًا عليها، وغيَّروا صفته، وهو جواب {لمَّا} الأولى، والثانية تكريرٌ لها، كما مرت الإشارة إليه؛ أي: فيكون قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} تكريرًا لقوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}؛ للتأكيد؛ ولطول الفصل بين لمّا الأولى، وجوابها الذي هو جملة قوله: {كَفَرُوا بِهِ} {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}؛ أي: إِبعادُ الله سبحانه، وطَرْده من خيرات الدنيا والآخرة عليهم؛ أي: على اليهود، ففيه (¬1) وَضْعُ الظاهر موضع المضمر؛ إشعارًا بأنّهم استحقُّوا اللعنة لكفرهم، والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر، واللام في الكافرين للعهد، أو للجنس، ودخلوا فيه دخولًا أوَّليًّا؛ لأنّ الكلام فيهم.
واعلم: أنّ (¬2) اللعنة في حقّ الكفار: الطرد والإبعاد من الرحمة، والكرامة، والجنّة على الإطلاق، وفي حقّ المذنبين من المؤمنين: الإبعاد عن الكرامة التي وعد بها من لم يَخُضْ في ذلك الذنب، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن احتكر فهو ملعون"؛ أي: من ادّخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه وقت زيادة الغلاء، فهو مطرودٌ من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار.
واعلم: أن الصفات المقتضية للعن ثلاثٌ: الكفر، والبدعة، والفسق، وله في كل واحدة ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين، أو المبتدعة والفسقة.
والثانية: اللعن بأوصافٍ أخصَّ منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى، أو على القدريّة، والخوارج، والروافض، أو على الزُّناة والظلمة، وآكل الربا، وكُلُّ ذلك جائزٌ.
والثالثة: اللعن علي الشخص، فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعًا، يجوز لعنه
¬__________
(¬1) النسفي.
(¬2) روح البيان.