كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 3)
توبتهم، وأتجاوز عن سيئاتهم وكتمانهم {وَأَنَا التَّوَّابُ}؛ أي: القابل لتوبة من تاب {الرحيم} المبالغ في نشر الرحمة لمن مات على التوبة، وفي قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} إشارة إلى أركان التوبة الثلاثة؛ لأن معنى تابوا: ندموا، ومعنى أصلحوا: بالعزم على عدم العود إلى المعصية، ومعنى بينوا: بالإقلاع عن الكتمان؛ لأن الإقلاع مفارقة المعصية؛ وهي هنا الكتمان ومفارقتها حاصلة بالبيان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا وهما قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}، وقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} إلى آخر الآيتين. متفق عليه.
وهل (¬1) إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين؟ فيه خلاف، والأصح أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتومًا، وقيل: متى سئل العالم عن شيءٍ يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهاره، وإلا فلا. وفي "الكرخي": وهذه الآية: تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها، ثم تركها أو كتمها، وكتم شيئًا من أحكام الشرع مع الحاجة إليه لحقه هذا الوعيد.
161 - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالكتمان وغيره {وَمَاتُوا}؛ أي: واستمروا على ذلك حتى داهمهم الموت. {وَهُمْ كُفَّارٌ} بالله ورسوله. {أُولَئِكَ} المستمرون على كفرهم حتى ماتوا عليه. {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ} وطرده لهم من رحمته {و} لعنة {الملائكة والناس} كلهم {أجمعين} حتى أهل دينهم، فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا، وقرأ الجمهور: {وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} بالجر عطفًا على لفظ الجلالة، وقرأ الحسن: {والملائكة والناس أجمعون} بالرفع، وخرج على أنه مبتدأ حذف خبره تقديره: والملائكة والناس أجمعون يلعنونهم حالة كونهم
¬__________
(¬1) الخازن.