كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 5)
{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} عطفٌ (¬1) على صرفكم؛ أي: ثم صرفكم عنهم فجازاكم غمًّا حصل لكم بسبب الانهزام، وقتل الأحباب، وفوت الغنائم بسبب غمٍّ حصل للرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب عصيانكم أمره؛ أي: أذاقكم غمًّا بسبب غمٍّ، أذقتموه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب فراركم عنه {لِكَيْ} تتمرنوا على تجرع الغموم وتتعودوا الصبر في الشدائد فـ {لا تحزنوا}؛ أي: لا تتأسفوا فيما بعد {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الظفر والغنيمة {وَلَا} تحزنوا على {مَا أَصَابَكُمْ} ونالكم من القتل والجراح والهزيمة. وقيل: الجار والمجرور متعلِّقٌ بـ {عفا} عنكم، والمعنى: ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم؛ لأن عفوه يذهب كلَّ هم وحزن، وقيل: المعنى: فأثابكم غمًّا متواصلًا أنساكم الحزن على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. وقد روي أنهم لما سمعوا بأن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد قتل نسوا ما أصابهم، وما فاتهم. هذا على القول بأنَّ {لا} أصليةٌ. والقول الثاني: أنَّ {لا} زائدة، واللام متعلِّقة بـ {أثابكم} أي: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم قال ابن عباس رضي الله عنهما الذي فاتهم الغنيمة، والذي أصابهم القتل والهزيمة. {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}؛ أي: عالم بجميع أعمالكم، ومقاصدكم والدواعي التي حملتكم عليها قادرٌ على مجازاتكم عليها إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، وفي هذه الجملة ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن الإقدام على المعصية.
وخصَّ (¬2) العمل بالذكر، وإن كان تعالى خبيرًا بجميع الأحوال من الأعمال والأقوال والنيَّات تنبيهًا على أعمالهم من تولية الأدبار والمبالغة في الفرار، وهي أعمال تخشى عاقبتها وعقابها.
154 - {ثُمَّ أَنْزَلَ} الله سبحانه وتعالى وأرسل {عَلَيْكُمْ} يا معشر المسلمين {مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ} الذي أصابكم بسبب الجراح والقتل والهزيمة {أَمَنَةً}؛ أي: أمنًا من
¬__________
(¬1) البيضاوي.
(¬2) البحر المحيط.