كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 9)
انتهى. {إِلَّا أَنْ يَكُونَ} ذلك الطعام {مَيْتَةً} لم تذك ذكاة شرعية، وذلك شامل لما مات حتف أنفه، وللمنخنقة والموقوذة والنطيحة ونحوها مما سبق ذكره في المائدة. وقرىء: {يطّعمه} - بالتشديد وكسر العين - والأصل يتطعمه، فأبدلت التاء بطاء، وأدغمت فيها الأولى. ذكره أبو البقاء. وقرأ (¬1) ابن كثير وحمزة: {تكون} - بالتأنيث - {مَيْتَةً} بالنصب على تقدير إلا أن تكون المحرمة ميتة. وقرأ ابن عامر: {تكون} - بالتأنيث - {ميتة} - بالرفع - على معنى: إلا أن توجد ميتة، أو إلا أن تكون هناك ميتة. وقرأ الباقون {يَكُونَ} - بالتذكير - {مَيْتَةً} - بالنصب -؛ أي: إلا {أن يكون} ذلك المحرم ميتة. وعلى قراءة ابن عامر يكون ما بعد هذا معطوفا على {أَنْ يَكُونَ} الواقعة مستثناة؛ أي: إلا وجود ميتة. وعلى قراءة غيره يكون معطوفا على قوله: {مَيْتَةً}.
{أَوْ} إلا أن يكون ذلك المحرم {دَمًا مَسْفُوحًا}؛ أي: سائلا كالدم الذي يجري من المذبوح، أو من الحي حال حياته، وغير (¬2) المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعذ الذبح، ومنه الكبد والطحال.
وفي الحديث: «أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودمان: الكبد والطحال». وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا، وقيل لأبي مجلز (¬3): القدر تعلوها الحمرة من الدم، فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح، وقالت نحوه عائشة رضي الله عنها، وعليه إجماع العلماء. وقال أبو بكر الرازي، وفي قوله: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} دلالة على أن دم البق والبراغيث
والذباب ليس بنجس انتهى.
{أَوْ} إلا أن يكون ذلك المحرم {لَحْمَ خِنزِيرٍ} وتخصيص (¬4) اللحم بالذكر؛ للتنبيه على أنه أعظم ما ينتفع به من الخنزير، وإن كان سائره مشاركا له في التحريم بالتنصيص على العلة من كونه رجسا، أو لإطلاق الأكثر على كله، أو
¬__________
(¬1) المراح.
(¬2) الشوكاني.
(¬3) البحر المحيط.
(¬4) البحر المحيط.