كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 9)

وعن أبي الدرداء (¬1): أنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع - نبات رطبه يسمى شبرقا، ويابسه يسمى ضريعا - لا تقربه دابة لنتن ريحه - لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ - ثم يستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون ويستغيثون، فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد، فيقطع ما في بطونهم، ويستغيثون إلى أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، ويقولون لمالك: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجيبهم بعد ألف عام، ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، فيجيبهم الله سبحانه وتعالى بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الزفير والشهيق. وهذا طلب (¬2) منهم مع علمهم باليأس من إجابته؛ إذ يعرفون دوام عقابهم، وأنه لا يفتر عنهم أبدا، ولكن اليائس من الشيء قد يطلبه كما قالوا في أمثالهم: الغريق يتعلق.

{قالُوا}؛ أي: قال أصحاب الجنة لأهل النار في جواب سؤالهم: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى قد {حَرَّمَهُما}؛ أي قد حرم ماء الجنة ورزقها {عَلَى الْكافِرِينَ} كما حرم عليهم دخولها، فلا سبيل لإفاضة شيء منهما عليهم، وهم في النار، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم، وطعامها من الضريع والزقوم. وقوله:

51 - {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا}؛ أي: باطلا {وَلَعِبًا}؛ أي: فرحا صفة للكافرين؛ أي: الذين جعلوا اللهو واللعب دينا وديدنا لهم، فاللهو صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به {وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا} عن الآخرة؛ أي: شغلهم
الطمع في طول العمر، وحسن العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، ونيل الشهوات عن الاستعداد والتزود للآخرة.
والخلاصة: أن الدنيا شغلتهم بزخارفها العاجلة، وشهواتها الباطلة، فغرتهم
¬__________
(¬1) المراغي والمراح.
(¬2) المراغي.

الصفحة 341