كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 9)

لأموركم الناظر لكم بالمصلحة حيث وجه إليكم رسولا يدعوكم إلى إفراده بالعبادة. وجملة قوله:

62 - {أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي} في محل رفع على أنها صفة لـ {رَسُولٌ}، أو هي مستأنفة مبينة لحال الرسول؛ أي: أرسلني إليكم لأبلغكم ما طلب إلي تبليغه إليكم من التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، والوحي والرسالة، والملائكة، والجنة والنار، والآداب والمواعظ والأحكام العامة من عبادات ومعاملات إلى نحو ذلك. والرسالات: كل ما أرسله الله به إليهم مما أوحاه إليه، وجمعها (¬1) باعتبار ما أوحى إليه في الأزمان المتطاولة، أو باعتبار المعاني المختلفة من الأمر والنهي، والزجر والوعظ، والتبشير والإنذار، أو باعتبار ما أوحي إليه، وإلى من قبله. قيل: في صحف إدريس وهي ثلاثون صحيفة، وفي صحف شيث وهي خمسون صحيفة.
وقرأ أبو عمرو: {أبلغكم} هنا في الموضعين، وفي الأحقاف بالتخفيف من أبلغ من باب أفعل، وباقي السبعة بالتشديد، والهمزة والتضعيف للتعدية فيه. {وَأَنْصَحُ لَكُمْ}؛ أي: أخلص لكم النصيحة بتحذيركم عقاب الله تعالى على كفركم به، وتكذيبكم لي، وردكم نصحي. روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فتبليع (¬2) الرسالة هو يعرفهم أنواع تكاليف الله، وأقسام أوامره ونواهيه، والنصيحة هي: أن يرغبهم في الطاعات، ويحذرهم عن المعاصي بأبلغ الوجوه. {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ}؛ أي: إنكم إن عصيتم أمره عاقبكم في الدنيا بالطوفان، وفي الآخرة بعقاب شديد خارج عما تتصوره عقولكم؛ أي: وأعلم من جهته بالوحي ما لا تعلمون من الأمور الآتية، أو أعلم من شؤونه وبطشه الشديد ما لا تعلمون.
وحاصل المعنى: أي وأنا (¬3) في هذا التبليغ وذلك النصح على علم من الله أوحاه إلي لا تعلمون منه شيئا، كما أني أعلم من الله وشؤونه ما لا تعلمون في
¬__________
(¬1) البحر المحيط.
(¬2) المراح.
(¬3) المراغي.

الصفحة 385