كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 10)
قوله أنّي معكم معية الإعانة والنصر والتأييد في مواطن الجد، ومقاساة شدائد القتال، وهذه منة خفية أظهرها الله تعالى ليشكروه عليها.
وقال الزجاج (¬1): كان التثبيت لهم بأشياء يلقونها في قلوبهم، تصح بها عزائمهم، ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء الخير، ويقال له: إلهام، كما إن للشيطان قوة إلقاء الشر، ويقال لها وسوسة. وقوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} والخوف منكم تفسير لقوله: {أَنِّي مَعَكُمْ} كأنه قيل: أني معكم في إعانتكم بإلقاء الرعب في قلوبهم، فلا يكون لهم ثبات، وكان ذلك نعمة من الله تعالى على المؤمنين، حيث ألقى الخوف منهم في قلوب المشركين، وقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ} كالتفسير لقوله: {فَثَبِّتُوا} وهو أمر للمؤمنين، أو للملائكة، وفيه دليل على أنّهم قاتلوا، قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعرف كيف تقاتل بني آدم، فعلمهم الله تعالى ذلك بقوله: فاضربوا يا ملائكتي فوق الأعناق {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} (¬2)؛ أي: فاضربوا رؤوسهم، واضربوا أطراف الأصابع؛ أي: اضربوا أيها المؤمنون، أو يا ملائكتي في جميع أعضاء المشركين من أعاليها إلى أسافلها، كيف شئتم؛ لأن الله تعالى ذكر الأشرف والأخس، فهو إشارة إلى جميع الأعضاء.
ومعنى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ}؛ أي: فاضربوا الأعناق وما فوقها، وهي الرؤوس، ومعنى {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ}؛ أي: واضربوا أطراف أصابع اليدين، سميت (¬3) بذلك، لأنّ بها صلاح الأشياء التي يمكن الإنسان أن يعملها بيديه، وإنما خصّت بالذكر دون سائر الأطراف، لأجل أن الإنسان بها يقاتل، وبها يمسك السلاح في الحرب، وقيل: إنه سبحانه وتعالى أمرهم بضرب أعلى الجسد وهو الرأس، وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان، وهو أضعف الأعضاء، فيدخل في ذلك كلّ عضو في الجسد، وقيل: أمرهم بضرب الرأس، وفيه إهلاك الإنسان، وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة الإنسان عن الحرب؛ لأنه بالبنان يتمكن من مسك
¬__________
(¬1) المراغي.
(¬2) المراح.
(¬3) الخازن.