كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 11)
وقد ردَّ الله شبهته وشبهة من وافقه عليها، بقوله: {أَلَا}؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون {فِي الْفِتْنَةِ} العظيمة، وهي فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل، {سَقَطُوا}؛ أي: وقعوا.
والمعنى (¬1): أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة، فإن أعظم أنواع الفتن الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف؛ أي (¬2): فليعلموا أنهم بمقالتهم هذه سقطوا، وتردوا في هاوية الفتنة، حيث اعتذروا بالمعاذير الكاذبة، من حيث يزعمون إتقاء التعرض للإثم، ثم بالنظر إلى جمال نساء الروم، وشغل القلب بمحاسنهم، وفي التعبير (¬3) بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة.
وقرا ورشٌ (¬4): بتخفيف همزة {ائْذَن ليِ} بإبدالها واوًا لضمة ما قبلها، وقال النحاس ما معناه: إذا دخلت الواو أو الفاء على إئذن، فهجاؤها في الخط ألف وذال، ونون بغير ياء، أو ثم فالهجاء ألف وياء وذال ونون، والفرق: أن ثم يوقف عليها، وتنفصل بخلافهما، وقرأ عيسى بن عمرو {ولا تُفتني} بضم التاء الأولى من أفتن، الرباعي، قال أبو حاتم: هي: لغة تميم، وهي أيضًا قراءة ابن السميقع، ونسبها ابن مجاهد إلى إسماعيل المكي، وجمع الشاعر بين اللغتين فقال:
لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهِيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ ... سَعِيْدا فأَمْسَى قَدْ قَلَا كُلَّ مُسْلِمِ
وقرىء (¬5): {سقط}؛ أي: مراعة للفظ من.
ثم توعدهم على ذلك، فقال: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}؛ أي: مشتملة عليهم من جميع الجوانب، لا يجدون عنها مخلصًا، ولا يتمكنون من
¬__________
(¬1) الشوكاني.
(¬2) المراغي.
(¬3) الشوكاني.
(¬4) البحر المحيط.
(¬5) أبو السعود.