كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 11)
والاثنان: طائفة، وهما وديعة بن جذام وجدُّ بن قيس، فالذي عفى عنه جهير بن حمير؛ لأنه كان ضحك معهم، ولم يستهزىء معهم، فلما نزلت هذه الآية، تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية، تقشعر منها الجلود، وتخفق منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
وقرأ زيد بن ثابت (¬1) وأبو عبد الرحمن وزيد بن علي وعاصم من السبعة: {إِنْ نَعْفُ} بالنون {نعذب} بالنون {طائفة} بالنصب، ولقيني شيخنا الأديب الكامل أبو الحكم، مالك بن المرحل المالقي بغرناطة، فسألني: قراءة من تقرأ اليوم على الشيخ أبي جعفر بن الطباع؟ فقلت: قراءة عاصم، فأنشدني:
لِعاصِمٍ قِرَاءَةٌ لِغَيْرِهَا مُخَالِفَهْ ... إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَهْ
وقرأ باقي السبعة {إن تُعفَ عن طائفة تعذب طائفة} مبنيًّا للمفعول، وقرأ الجحدري: {إن يَعف} {يُعذب} مبنيًّا للفاعل فيهما؛ أي: إن يعف الله، وقرأ مجاهد {إن تعف} بالتاء مبنيًّا للمفعول {تعذب} مبنيًّا للمفعول بالتاء أيضًا، قال ابن عطية: على تقدير إن تعف هذه الذنوب. وقال الزمخشري: الوجه التذكير؛ لأن المسند إليه الظرف، كما تقول سير بالدابة، ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك، وهو غريب، والجيد قراءة العامة: {إن يعف عن طائفة} بالتذكير و {تعذب طائفة} بالتأنيث. انتهى.
67 - {الْمُنَافِقُونَ} قيل (¬2) كانوا ثلاث مئة {وَالْمُنَافِقَاتُ} وكنَّ مئة وسبعين {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}؛ أي: متشابهون في صفة النفاق والأفعال الخبيثة؛ أي: أنَّ (¬3) أهل النفاق رجالًا ونساءً يتشابهون في صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم، كما قال تعالى في آل إبراهيم وآل عمران: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}. وقال الشاعر:
تِلْكَ العَصَا مِنْ هَذِه العُصَيَّهْ ... هَلْ تَلِدُ الحَيَّةُ إلَّا حَيَّهْ
¬__________
(¬1) البحر المحيط.
(¬2) المراح.
(¬3) المراغي.