كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 11)
53 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا ...} إلخ، إلى العقاب الذي أنزله الله بهم، وهو مبتدأ، وخبره: ما بعده، والجملة جاريةٌ مجرى التعليل لما حلَّ بهم من عذاب الله، والمعنى: ذلك الذي ذكر من أخذه لقريش بكفرها بنعم الله عليها؛ إذ بعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته فكذبوه وأخرجوه من بينهم وحاربوه .. كأخذه للأمم قبلهم بذنوبهم؛ أي: تعذيب الكفرة بما قدمت أيديهم حاصلٌ بسبب أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يكن مغيرًا ومبدِّلًا بنقمةٍ {نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ}؛ أي: لم يكن مبدلًا نعمة أنعم بها على قوم كائنًا من كان، كالعقل وإزالة الموانع؛ أي: لم يكن مبدِّلًا إياها بنقمةٍ {حَتَّى يُغَيِّرُوا}؛ أي: حتى يغيِّر ويبدِّل أولئك القوم {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الأحوال؛ أي: ما لهم من الحال إلى حال أسوأ منه، فإذا صرفوا تلك النعمة إلى الفسق والكفر .. فقد غيَّروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فاستحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن، يعني: أنَّ (¬1) الله سبحانه وتعالى أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، وبعث إليهم محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها، وكذبوا رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وغيروا ما بأنفسهم، فسلبهم الله سبحانه وتعالى النعمة وأخذهم بالعقاب، قال السدي: نعمة الله: هو محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - أنعم به على قريش، فكفروا به وكذَّبوه، فنقله الله تعالى إلى الأنصار.
وقولنا: إلى حال أسوأ منه: إشارةٌ (¬2) إلى دفع ما يقال من أن آل فرعون ومشركي مكة لم يكن لهم حالٌ مرضية حتى يقال أنهم غيَّروها إلى حال مسخوطة، فغير الله نعمته عنهم إلى النقمة، وتقرير الدفع: أنَّ قوله: {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} يعم الحال المرضية والقبيحة، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة .. كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها، وأولئك كانوا قبل بعثة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - كفرةً عبدة أصنام، فلمَّا بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآيات البينات .. كذبوه وعادوه وتحزبوا على إراقة دمه، فغير الله نعمة إمهالهم بمعاجلتهم بالعذاب، هذا حاصل ما في "الكشاف"، اهـ "زاده".
¬__________
(¬1) الخازن.
(¬2) زاده.