كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 12)
لعذابهم، يحل بهم عند حلوله، لا يتعداهم إلى أمة أخرى {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ}؛ أي: وقت هلاكهم؛ أي: إذ جاء ذلك الأجل {فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجل {سَاعَةً}؛ أي: شيئًا قليلًا من الزمان {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} عليه؛ أي: فلا يملك رسولهم من دون الله تعالى، أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له، وإن قَلَّت. وقرأ ابن سيرين: {آجالهم} على الجمع.
50 - {قُلْ} يا محمَّد، لهؤلاء الذين يستعجلون منك العذاب: {أَرَأَيْتُمْ}؛ أي: أخبروني عن حالكم، وما يمكنكم أن تفعلوه {إِنْ أَتَاكُمْ} وجاءكم {عَذَابُهُ} سبحانه وتعالى، الذي تستعجلون منه {بَيَاتًا}؛ أي: وقت اشتغالكم بالنوم ليلًا {أَوْ} أتاكم {نَهَارًا}؛ أي: وقت اشتغالكم بلهوكم ولعبكم، أو بأمور معاشكم نهارًا. وجواب الشرط جملة قوله: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} ولكن بتقدير: الفاء؛ لأن الجملة اسمية؛ أي إن أتاكم عذابه. فأيَّ نوع من العذاب يستعجل منه المجرمون الكذّابون، أعذاب الدنيا، أم عذاب الآخرة؟ وأيًّا ما استعجلوا فهو حماقة وجهالة والاستفهام (¬1) فيه للإنكار المضمن معنى النهي، ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم أن العذاب مكروه، تنفر منه القلوب، وتأباه الطبائع، فما المقتضي لاستعجالهم له. وقيل: إن جواب الشرط محذوف، تقديره: إن أتاكم عذابه .. تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ منكم فيه. وقيل: إن الجواب جملة قوله:
51 - {أثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ}؛ أي: بعد ما وقع العذاب بكم حقيقةً، آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان، وتكون جملة {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} معترضة. والمعنى، على هذا القيل: إن أتاكم عذابه .. آمنتم به بعد وقوعه، حين لا ينفعكم الإيمان. ولكن الأول، أولى. وقرأ طلحة بن مصرف {أثُمَّ} بفتح الثاء، وهذا يناسبه تفسير الطبري، أهنالك. ودخول همزة الاستفهام الإنكاري على ثم في قوله: {أثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} كدخولها على الواو والفاء، وهي: لإنكار إيمانهم، حيث لا ينفع الإيمان، وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل عليهم، وتفظيع ما فعلوه في غير وقته، مع تركهم له في وقته الذي يحصل
¬__________
(¬1) الشوكاني.