كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 12)

اللام، وقد تقرر في العربية أن لام الأمر تحذف مع الخطاب إلا في لغة قليلة جاءت هذه القراءة عليها. وقرأ الجمهور بالمثناة التحتية في {يَجْمَعُونَ} كما قرؤوا في {فَلْيَفْرَحُوا} بالياء. وروي عن ابن عامر أنه قرأ: بالفوقية في {يجمعون} وبالتحتية في {فَلْيَفْرَحُوا}

59 - {قُلْ} يا محمَّد لهؤلاء المشركين: {أَرَأَيْتُمْ}؛ أي: أخبروني أيها الجاحدون للوحي والرسالة {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ}؛ أي: أهذا الذي أفاضه الله عليكم من فضله وإحسانه {مِنْ رِزْقٍ} تعيشون به من نبات وحيوان {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ}؛ أي: من ذلك الرزق {حَرَامًا وَحَلَالًا}؛ أي: فجعلتم بعضه حرامًا، وبعضه حلالًا، وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة الأنعام بقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} إلخ، وبقوله في سورة المائدة: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}. ويحتمل كون ما في {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف؛ أي: ما أنزله الله، وهي في محل نصب مفعول أول، لـ {أرأيتم}؛ لأنه بمعنى أخبروني، والثاني: هو الجملة من قوله: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول محذوف، تقديره: آلله أذن لكم فيه، واعترض على هذا، بأن قوله: قل، يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولًا ثانيًا وأجيب بأنه كرر توكيدًا للأمر بالاستخبار. وقيل: إن {مَا} استفهامية في محل الرفع بالابتداء وخبرها {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ}. وقيل في قوله: {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} تكرير للتوكيد، والرابط محذوف ومجموع المبتدأ والخبر في محل النصب بـ {أَرَأَيْتُمْ} والمعنى: أخبروني، أهذا الذي أنزل الله إليكم من رزق، فجعلتم منه حرامًا كالبحيرة، وحلالًا كالميتة، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه {أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} وتكذبون في نسبة ذلك إليه؛ أي: أخبروني آلله أمركم بذلك الحكم، فأنتم ممتثلون بأمره تعالى، أم لم يأذن لكم في ذلك، بل أنتم كاذبون على الله في ادعائكم أن الله أمرنا بذلك الحكم.
ومعنى (¬1) إنزال الرزق: كون المطر ينزل من جهة العلو، وكذلك يقضي
¬__________
(¬1) الشوكاني.

الصفحة 284