كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 15)

كمالهم، ونبوة عيسى في المهد لا تنافيه إذ الرسالة أخص، قال ابن الجوزي اشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء، ولا ملائكة لاختلاف الجنس، وقوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}؛ أي: إلى الملائكة أو إلى الأنبياء {نُوحِي إِلَيْهِمْ} على ألسنة الملائكة في الأغلب وأكثر الأمر، وفيه (¬1) إشارة إلى أن الرسالة النبوة والولاية لا تسكن إلا في قلوب الرَّجال الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله.
والمعنى (¬2): أي وما أرسلنا من قبلك رسلًا إلى أممهم للدعوة إلى توحيدنا والانتهاء إلى أمرنا إلا رجالًا من بني آدم نوحي إليهم لا ملائكة، ومجمل القول: إنا لم نرسل إلى قومك إلا مثل الذين كنا نرسلهم إلى من قبلهم من الأمم؛ أي: رسلًا من جنسهم وعلى منهاجهم، روى الضحاك عن ابن عباس: الله لمَّا بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم -. أنكر العرب ذلك وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل الله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} الآية، ونحو الآية قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ}، وقوله: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)}، وقوله: {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا}.
وقرأ الجمهور (¬3): {يُوحَى} بالياء وفتح الحاء، وقرأت فرقة: بالياء وكسرها، وقرأ عبد الله والسلمي وطلحة وحفص عن عاصم: بالنون وكسرها.
ولمَّا (¬4) كان كفار مكة مقرين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل .. صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: {فَاسْأَلُوا} يا معشر قريش إن شككتم في ذلك {أَهْلَ الذِّكْرِ}؛ أي: أهل العلم بذلك؛ أي: علماء أهل الكتاب، ليخبروكم أن الله تعالى لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرًا، وكانوا يشاورونهم في بعض الأمور، ولذلك أحالهم إلى هؤلاء للإلزام؛ أي: فإذا أخبروكم بذلك .. زالت الشبهة من
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) المراغي.
(¬3) البحر المحيط.
(¬4) الشوكاني.

الصفحة 240