كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 16)

من الأعداء {وَهَيِّئْ لَنا}؛ أي: يسر لنا، وأصلح ورتِّب، وأتمم لنا {مِنْ أَمْرِنا} الذي هو مهاجرة الكفار، والمثابرة على الطاعة {رَشَدًا}؛ أي: إصابةً للطريق الموصل إلى المطلوب، واهتداء إليه، وكلا الجارّين متعلق بـ {هَيِّئْ} لاختلافهما في المعنى.
أي: اذكر أيها الرسول حين أوى أولئك الفتية إلى الكهف، هربًا بدينهم من أن يفتنهم عباد الأصنام، والأوثان، وقالوا: إذ ذلك ربنا يسر لنا بما نبتغي من رضاك، وطاعتك رشدا من أمرنا وسدادا إلى العمل الذي نحب، وارزقنا المغفرة، والأمن من الأعداء.

11 - {فَضَرَبْنا} فعقب هذا القول {ضربنا} وألقينا {عَلَى آذانِهِمْ} حجابًا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة من نومهم حالة كونهم مستقرين {فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا}؛ أي: سنين ذوات عدد كثيرة، وهي ثلاث مئة وتسع سنين، ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة، وقيل (¬1): منه التقليل؛ لأنّ الكثير قليل عند الله سبحانه
12 - {ثُمَّ} بعد تلك السنين الكثيرة {بَعَثْناهُمْ}؛ أي: أيقظناهم من تلك النومة الثقيلة الشّبيهة بالموت، وفيه دليل على أن النّوم أخو الموت في اللوازم من البعث، وتعطيل الحياة، والالتحاق بالجمادات، {لِنَعْلَمَ} ونختبر {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ}؛ أي: أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير، والتفويض، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن أحد الحزبين الفتية، والآخر الملوك الذين تداولوا المدينة ملكًا بعد ملك، وذلك لأنّ اللام للعهد، ولا عهد لغيرهم، والتّصحيح ما سيأتي قريبا، وأيّ مبتدأ خبره قوله: {أَحْصى} فعل (¬2) ماض، وهو الصحيح لا أفعل تفضيل، لأنّ المقصود بالاختبار إظهار عجز الكل عن الإحصاء رأسًا لا إظهار أفضل الحزبين وتمييزه عن الأدنى مع تحقق أصل الإحصاء فيهما؛ أي ضبط {لِما لَبِثُوا}؛ أي للبثهم فما مصدرية {أَمَدًا}؛ أي: غاية وزمنًا، فالمراد بالأمد هنا المدة، وهو مفعول به {لأحصى}، والجار
¬__________
(¬1) الشوكاني.
(¬2) روح البيان.

الصفحة 294