كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 17)
والشافعي محمد بن إدريس الإِمام المطلبي، جعلوها {أَنْ} الناصبة للمضارع، وتكون الرؤية من الإبصار؛ أي: ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم قولًا من الأقوال، فقوله (¬1) {يَرْجِعُ}: من المرجع المتعدي بمعنى الإعادة، لا من الرجوع اللازم بمعنى العود، والمعنى؛ أي: أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجلى لا يرجع إليهم قولًا؛ أي: لا يرد عليهم جوابًا، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله، وهو عاجز عن المكالمة.
وجملة قوله: {وَلَا يَمْلِكُ} العجل {لَهُمْ}؛ أي: لعابديه {ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} معطوفة (¬2) على جملة: {أَلَّا يَرْجِعُ}؛ أي: أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرًا، ولا يجلب لهم نفعًا، فيخافوه كما يخافون فرعون، ويرجون منه كما يرجون من فرعون، فكيف يقولون ذلك، وفي الكلام (¬3) توبيخ لهم، إذ عبدوا ما لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وكان العجل فتنةً من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل.
قال في "التأويلات النجمية" (¬4) فيه: إشارة إلى أن الله تعالى: إذا أراد أن يقضي قضاءً .. سلب ذوي العقول عقولهم، وأعمى أبصارهم بعد أن رأوا الآيات، وشاهدوا المعجزات، كأنهم لم يروا شيئًا فيها، فلهذا قال: {أَفَلَا يَرَوْنَ} يعني: العجل وعجزه {أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا}؛ أي: شيئًا من القول {وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} انتهى.
قال بعضهم:
أيَا سَامِعَاً لَيْسَ السَّمَاعُ بِنَافِعٍ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا أَنْتَ سَامِعُ
إِذَا كُنْتَ في الدُّنْيَا مِنَ الْخَيْرِ عَاجِزَاً ... فَمَا أَنْتَ فِيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ صَانِعُ
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) الشوكاني.
(¬3) الخازن.
(¬4) روح البيان.