كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 18)

كونهم قائلين تحسرًا وندامة {يَا وَيْلَنَا} ويا هلاكنا، تعال إلينا، فهذا أوان حضورك. وجملة قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} جواب الشرط في قولهه: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ}. وإذا (¬1) للمفاجأة سدّ مسدّ الفاء الجزائية كقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة. و {شَاخِصَةٌ} خبر مقدم لـ {أَبْصَارُ}، والجملة من المبتدأ والخبر، خبر ضمير القصة مفسرة له.
وقال الفراء والكسائي (¬2): الواو في قوله: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ} زائدة مقحمة في جواب الشرط، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق نظير قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104)}؛ أي: ناديناه. وعلى هذا القول، فالفاء في قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} تكون عاطفة على هذا الجواب. فإن قيل (¬3): فتح السد واقتراب الوعد الحق يحصل في آخر أيام الدنيا، والجزاء وشخوص الأبصار إنما يحصل يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين؟
فالجواب: أن التفاوت القليل يجري مجرى العدم، وفي الآية دلالة على أن قيام الساعة. لا يتأخر عن خروج يأجوج ومأجوج، كما روي عن حذيفة - رضي الله عنه - أنه قال: لو أن رجلًا اقتنى، فلوّا بعد خروج يأجوج ومأجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة. والفلوّ المهر؛ أي: ولد الفرس.
والمعنى (¬4): أن القيامة إذا قامت ارتفعت أبصار هؤلاء، من شدة الأهوال، فلا تكاد تطرف من شدة ما يخافونه قائلين: يا ويلنا؛ أي: هلاكنا تعال فهذا أوان حضورك {قَدْ كُنَّا} في الدنيا {فِي غَفْلَةٍ} تامة {مِنْ هَذَا} الذي أصابنا ودهمنا من البعث والرجوع إليه للجزاء، ولم نعلم أنه حق، وقوله: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} إضراب (¬5) عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة؛ أي: لم نكن غافلين
¬__________
(¬1) البيضاوي.
(¬2) القرطبي.
(¬3) روح البيان.
(¬4) المراح.
(¬5) روح البيان.

الصفحة 190