كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 18)

الآيات البينات {وَالَّذِينَ هَادُوا}؛ أي: دخلوا في اليهودية، وهم المنتسبون إلى ملة موسى، عليه السلام. قال الراغب: الهود: الرجوع برفق، وصار في التعارف التوبة، قال تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}؛ أي: تبنا إليك، قال بعضهم: اليهود في الأصل: هو من قولهم: "هدنا إليك"، وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شرعتهم لازمًا لهم، وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن النصارى في الأصل من قوله: {من أنصاري إلى الله}، ثم صار لازمًا لهم بعد نسخ شريعتهم.
{وَالصَّابِئِينَ}؛ أي: الذين صبؤوا عن الأديان كلها؛ أي: خرجوا واختاروا عبادة الملائكة والكواكب. من صبأ الرجل عن دينه، إذا خرج عنه إلى دين آخر. قال الراغب: الصابؤون: قوم كانوا على دين نوح. وقيل: لكل خارج من الدين إلى دين آخر صابىء، من قولهم: صبأ، ناب البعير إذا طلع. وقيل: وهم من جنس النصارى وليس بصحيح، بل هم فرقة معروفة، لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء، والصحيح المقرر في الفروع الصابؤون: فرقة من النصارى اهـ، شيخنا. والنصارى: هم المنتسبون إلى ملة عيسى، عليه السلام.
وقدم النصارى على الصابئين في سورة البقرة (¬1)، وأخرهم عنهم هنا، قيل: وجه تقديم النصارى هناك أنهم أهل كتاب دون الصابئين، فلهم شرف عليهم، ووجه تقديم الصابئين هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى. {وَالْمَجُوسَ} هم قوم يعبدون النار، ويقولون إن للعالم أصلين، النور، والظلمة. وقيل: هم قوم يعبدون الشمس والقمر. وقيل: قوم يستعملون النجاسات. وقيل: هم قوم من النصارى، اعتزلوهم ولبسوا المسوح. وقيل: إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى، وليسوا (¬2) من أهل الكتاب، ولذا لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل دبائحهم، وإنما أخذت الجزية منهم؛ لأنهم من العجم، لا لأنهم من أهل الكتاب. {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} بالله سبحانه، وعبدوا الأوثان والأصنام وغيرها.
وجملة قوله: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يَفْصِلُ} ويقضي {بَيْنَهُمْ}؛ أي:
¬__________
(¬1) الشوكاني.
(¬2) روح البيان.

الصفحة 266