كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 18)

الأكدار في الدنيا وهم لا يشعرون.
وقال أبو حيان (¬1): واختلفوا في هذا التشبيه، فقيل: في العدد؛ أي: اليوم عند الله ألف سنة من عددكم. وفي الحديث الصحيح: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمس مئة عام". فالمعنى: وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله. وقيل: التشبيه وقع في الطول للعذاب فيه والشدة؛ أي: وإن يومًا من أيام عذاب الله، لشدة العذاب فيه وطوله، كألف سنة من عددكم، إذ أيام الترحة مستطالة، وأيام الفرحة مستقصرة. وكان ذلك اليوم كألف سنة من سني العذاب والمعنى: أنهم لو عرفوا حال الآخرة ما استعجلوه. وقيل: التشبيه بالنسبة إلى علمه تعالى وقدرته، وإنفاذ ما يريد كألف سنة. وقال ابن عيسى: يجمع لهم عذاب ألف سنة في يوم واحد، ولأهل الجنة سرور ألف سنة في يوم واحد واقتصر في التشبيه على الألف؛ لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار. انتهى.
وقيل المعنى (¬2): وإن يومًا من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياسًا. وجملة قوله: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} محلها النصب على الحال؛ أي: والحال أنه لا يخلف وعده أبدًا، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئه حتمًا، أو هي اعتراضية مبينة لما قبلها. وعلى الأول تكون جملة {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ} إلخ مستأنفة، وعلى الثاني تكون معطوفة على الجملة التي قبلها، مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال.
وقرأ الأخوان حمزة والكسائي: {مما يعدون} بالتحتية. واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. {وتستعجلون بالعذاب} واختارها أبو حاتم. ويكون فيه التفات. فعلى (¬3) العاقل أن يلاحظ أن كل آت قريب، ولا يغتر بالإمهال، فإن بطش الله شديد، وعذابه لا
¬__________
(¬1) البحر المحيط.
(¬2) الشوكاني.
(¬3) روح البيان.

الصفحة 368