كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 18)
الأمر والشان ذلك الذي قصننا عليكم وبينا لكم، من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا، والجملة (¬1) لتقرير ما قبله، والتنبيه على أن ما بعده كلامٌ مستأنفٌ.
والمعنى: أي (¬2) ذلك الرزق الحسن والمدخل الكريم، لمن قتلوا في سبيل الله، أو ماتوا، ولهم أيضًا النصر في الدنيا على أعدائهم. وإلى ذلك أشار بقوله: {وَمَنْ عَاقَبَ} وجازى الظالم {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ}؛ أي: بمثل ما ظلمه، ولم يزد في الاقتصاص على ذلك المثل، والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به، ولم يزد عليه، والعقوبة (¬3) في الأصل اسم لما يعقب الجرم من الجزاء، وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هو جزاء الجناية؛ أي: مع أنه ليس بجزاء يعقب الجريمة للمشاكلة، كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وكقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أو على سبيل المجاز المرسل، فإنه ما وقع ابتداءً سببٌ لما وقع جزاء وعقوبة، فسمي السبب باسم المسبب.
{ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ}؛ أي: اعتدى عليه؛ أي: إن الظالم في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى. قيل: المراد بهذا البغي هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم، بعد أن كذبوا نبيهم، وآذوا من آمن به. واللام في قوله: {لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لينصرن الله المبغي عليه؛ أي: المظلوم على الباغي؛ أي: الظالم لا محالة وهو خبر من.
وقيل (¬4): إن معنى {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ}؛ أي: ثم كان المجازي مبغيًا عليه؛ أي: مظلوماً ومعنى (ثم) تفاوت الرتبة؛ لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم، كما
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) المراغي.
(¬3) روح البيان.
(¬4) الشوكاني.