كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 23)

13 - ولما كان بين الفلك في البحر، والشمس والقمر في مدارهما مناسبة، فإن كلًّا منهما سارح في تلك العوالم الشاسعة .. أردفه بذكر الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، فقال: {يُولِجُ اللَّيْلَ} ويدخله {فِي النَّهَارِ}؛ أي: يدخل الله سبحانه الليل في النهار بإضافة بعض أجزاء الليل إلى النهار، فينقص الأول ويزيد الثاني، كما في فصل الربيع والصيف. {وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} بإضافة بعض أجزاء النهار إلى الليل، كما في فصل الخريف والشتاء.
والمعنى (¬1): يدخل بعض ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعًا. و {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}؛ أي: ذلل ضوء الشمس والقمر لبني آدم. وفي "بحر العلوم": معنى تسخير الشمس والقمر: تصييرهما نافعين للناس، حيث يعلمون بمسيرهما عدد السنين والحساب. انتهى. ومنه (¬2) يعلم حكمة الإيلاج، فإنه بحركة النَّيِّرين تختلف الأوقات، وتظهر الفصول الأربعة التي تتعلق بها المصالح، والأمور المهمة، ثم قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ} عطف على {يُولِجُ}، واختلافهما صيغةً لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدِّد حينًا فحينًا، وأما تسخير النَّيِّرين .. فلا تعدد فيه، وإنما المتعدِّد والمتجدِّد آثاره، وقد أشير إليه بقوله تعالى: {كُلٌّ}؛ أي: كل واحد من الشمس والقمر {يَجْرِي}؛ أي: بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية على المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة جريًا مستمرًا. {لِأَجَلٍ}؛ أي: إلى وقت {مُسَمًّى}؛ أي: معين قدره الله تعالى لجريانهما، وهو يوم القيامة، فحينئذ ينقطع جريهما.
وقال بعضهم: كل يجري إلى أقصى منازلهما في الغروب؛ لأنهما يغربان كل ليلة في موضع، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما، فجريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين بهما في فلكيهما، والأجل المسمى: عبارة عن منتهى دوريتهما، ومدة الجريان للشمس سنة، وللقمر شهر، فإذا كان آخر السنة ينتهي جري الشمس، وإذا كان آخر الشهر ينتهي جري القمر، قال في "البحر": والمعنى في التحقيق يجري لإدراك أجلٍ على أن الجري مختص بإدراك أجل.
ولما ذكر (¬3) أشياء كثيرة تدل على قدرته الباهرة من إرسال الرياح، والإيجاد
¬__________
(¬1) النسفي.
(¬2) روح البيان.
(¬3) البحر المحيط.

الصفحة 367