كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 23)

من تراب، وما عطف عليه، وإيلاج الليل في النهار، وتسخير الشمس والقمر .. أشار إلى أن المتصف بهذه الأفعال الغريبة هو الله، فقال: {ذَلِكُمُ} مبتدأ إشارة إلى فاعل الأفاعيل المذكورة إشارة تجوّز، فإن الأصل في الإشارة أن تكون إلى محسوس ويستحيل إحساسه تعالى بالحواس، وأشار (¬1) إليه إشارة بعيد مع أنه أقرب من كل قريب للإيذان بغاية العظمة؛ أي: ذلك العظيم الشأن الذي أبدع هذه الصنائع البديعة {اللَّهُ} خبر؛ أي: المعبود بحق في الوجود {رَبُّكُمْ}؛ أي: مالككم أيها المخلوقات خبر ثانٍ، {لَهُ الْمُلْكُ} خبر ثالث؛ أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية والمالكية لما في السموات والأرض، فاعرفوه ووحدوه وأطيعوا أمره، ويجوز أن يكون قوله: {لَهُ الْمُلْكُ} جملةً مستقلة في مقابلة قوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ}؛ أي: تعبدون {مِنْ دُونِهِ}؛ أي: حال كونكم متجاوزين الله وعبادته {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}؛ أي: ما يقدرون أن ينفعوكم مقدار القطمير فضلًا عن هذه المنافع العظيمة العجيبة المذكورة سابقًا.

وقرأ الجمهور: {تَدْعُوهُمْ} بتاء الخطاب، وعيسى وسلام ويعقوب بياء الغيبة، ذكره في "البحر المحيط". والقطمير: هو القشرة البيضاء الرقيقة الملتفة على النواة كاللفافة لها. وقيل: هو القمع الذي في رأس التمرة، وقيل: قشر الثوم وأيًا كان هو مثل في القلة والحقارة، كالنقير الذي هو النقرة، والنكتة في ظهر النواة، ومنه ينبت النخل والفتيل الذي في شق النواة على هيئة الخيط المفتول،

14 - ثم بيّن سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله تعالى بأنهم لا ينفعون ولا يضرون. فقال: {إِنْ تَدْعُوهُمْ}؛ أي: الأصنام للإعانة وكشف الضر، {لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} لأنهم جماد، والجماد ليس من شأنه السماع {وَلَوْ سَمِعُوا} على سبيل الفرض والتقدير. {مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ}؛ أي: ما أجابوا لكم؛ لأنهم لا لسان لهم، ما أجابوكم لمطلبكم لعجزهم عن النفع بالكلية، فإن من لا يملك نفع نفسه كيف يملك نفع غيره، وقيل (¬2): لو جعلنا لهم سماعًا وحياةً فسمعوا دعاءكم .. لكانوا أطوع لله منكم، ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتموه إليه من الكفر.
والخلاصة: كيف تعبدون من لا ينفع ولا يضر، وتدعون من بيده النفع
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) الشوكاني.

الصفحة 368