كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 26)

خبرها وبلغه شيء منها جعلها هزوا، وسخريةً. فقد رُوي: أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)} دعا بتمر وزبد، وقال لأصحابه: تزقموا من هذا، ما يعدكم محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا شهدًا، وحين سمع قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)}؛ أي: على النار، قال: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي.

ثم ذكر ما يصيب هؤلاء من العذاب فقال: {أُولَئِكَ} الأفاكون المتصفون بتلك الصفات، فالإشارة إلى كل أفاك من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار شمول كل، كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار كل واحدٍ واحد {لَهُمْ} بسبب جناياتهم المذكورة {عَذَابٌ مُهِينٌ}؛ أي: عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم، ويذهب بعزهم بما كانوا في الدنيا يستكبرون عن طاعة الله واتباع آياته واتخاذها هزوًا، ووصف (¬1) العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم، واستهزائهم بآيات الله

10 - {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ}؛ أي: جهنم كائنة من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إلى ما أعد لهم؛ أي: من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا، والتكبر عن الحق، جهنم فإنها من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إليها، وعبر بالوراء عن المقدام كقوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}، وقول الشاعر:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيْ
أو المعنى: من خلفهم؛ لأنهم معرضون عن ذلك، مقبلون على الدنيا، فإن الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام؛ أي: يسترها {وَلَا يُغْنِي}؛ أي: لا يدفع {عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا} وجمعوا من الأموال والأولاد، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع {شَيْئًا} من عذاب الله، فيكون مفعولًا به، أو لا يغني عنهم في دفع ذلك شيئًا من الإغناء؛ أي: إغناءً قليلًا، فيكون مصدرًا، يقال: أغنى عنه إذا كفاه، وقوله: {وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ} معطوف على {مَا كَسَبُوا}؛ أي: ولا ينفعهم أيضًا ما عبدوه من دون الله من الأصنام،
¬__________
(¬1) روح البيان.

الصفحة 426