كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 27)
25 - ولما أخبر بإقفال قلوبهم .. بين منشأ ذلك، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا} ورجعوا {عَلَى أَدْبَارِهِمْ} وأعقابهم؛ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، وهم المنافقون الموصوفون بمرض القلوب، وغيره من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به - صلى الله عليه وسلم - {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة {الشَّيْطَانُ} لعنة الله عليه {سَوَّلَ} وزيَّن {لَهُمْ} ما هم عليه أو الشرك والمعاصي، جملة {مِن} مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لـ {إِنَّ}؛ أي: سهل لهم ركوب العظائم، وحسنها لهم، وصورها لهم بصورة الحسن، من التسويل، وهو: تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن.
وقرأ زيد بن علي {سَوَّلَ لَهُمْ}؛ أي: كيده على تقدير حذف مضاف من السول، وهو: استرخاء البطن.
قال قتادة (¬1): هم: كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ابن جرير، وقال الضحاك والسدي: هم المنافقون، قعدوا عن القتال، وهذا أولى؛ لأنّ السياق في المنافقين.
{وَأَمْلَى لَهُمْ} الشيطان؛ أي: مدَّ لهم في الآمال والأماني، ووعدهم طول العمر، وقيل: إن الذي أملى لهم هو الله سبحانه، والمعنى: أمهلهم الله، ولم يعاجلهم بالعقوبة.
قرأ الجمهور (¬2): {وَأَمْلَى لَهُمْ} مبنيًا للفاعل، وقرأ أبي عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، وأبو جعفر وشيبة والجحدري وابن سيرين: {وأُملي لهم} مبنيًا للمفعول؛ أي: أمهلوا ومدوا في عمرهم، قيل: وعلى هذه القراءة يكون الفاعل هو الله أو الشيطان، كالقراءة الأولى، وقد اختار القول بأنّ الفاعل هو الله، الفراء، والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريبًا، وقرأ مجاهد (¬3) وابن هرمز والأعمش وسلام ويعقوب: {وأملي} بهمزة المتكلم
¬__________
(¬1) الشوكاني.
(¬2) البحر المحيط.
(¬3) البحر المحيط.